فجأة، عندما تعمل دولة عربية على تأصيل هويتها الوطنية، وتطلق مشروعها الوطني والإقليمي ورؤيتها، يصبح مفهوم الدولة ككيان ومؤسسات برمته في خطر. عندما تسعى مصر إلى إطلاق مشروعها التنموي، يشتعل السودان جنوبها، وغزة شرقها، ناهيك عن ليبيا في غربها. يسعى الأردن إلى ترسيخ استقراره، فإذا بجبهته الشمالية تشتعل حربا مع تنظيمات لا يبدو تهريب المخدرات هدفا وحيدا لها، ويتهدد غربه بفعل حرب مجنونة تشنها إسرائيل على الفلسطينيين. يحاول العراق لملمة جراحه فيقع أسير معارك تخوضها ميليشيات لا تعترف بالدولة العراقية. كيف إذن لمشاريع التنمية والاستقرار الوطنية أن تعيش في ظل إقليم يصارع تنظيمات تفكر إقليميا وتستهدف الدولة ومؤسساتها بشكل مباشر؟ وكيف يمكن للدولة ومؤسساتها أن تنجو من تغول هذه التنظيمات؟
صعود الفاعلين اللادوليين في الشرق الأوسط
الشرق الأوسط، منطقة الروايات الجيوسياسية المعقدة، يشهد تحولا كبيرا في ديناميات القوة. فقد أصبح ظهور الجهات الفاعلة “اللادولتية” وتعزيز قوتها سمة مميزة للمشهد السياسي في المنطقة، وربما السمة الأبرز في السنوات الأخيرة. لنلق نظرة على الأحداث التالية في أكتوبر/تشرين الأول: هجوم “حزب العمال الكردستاني” في وسط أنقرة، والهجوم على الكلية الحربية في حمص الذي كان ربما واحدا من أقسى الهجمات التي تعرض لها الجيش السوري في تاريخه، وقد اتهم “الحزب التركستاني الإسلامي” بالوقوف خلفه. ليس من الضروري أن تكون هذه الأحداث مترابطة أو مرتبطة بفاعل واحد، وربما حدثت بشكل متزامن بمحض الصدفة، لكن هذا التزامن يشير إلى أن هذه التنظيمات تتعلم من بعضها البعض، وبشكل جعلها قادرة على توجيه ضربات موجعة لدول المنطقة.
من “داعش” إلى الميليشيات: تحولات ميزان القوة
ما زلنا في جغرافيا الشرق الأوسط. يتبنى تنظيم “داعش” الإرهابي 34 هجوما في سوريا خلال الفترة بين 4 يناير/كانون الثاني 2024 و10 يناير/كانون الثاني 2024، وذلك بعد أعوام على إعلان “هزيمته” على يد تحالف دولي كبير تقوده الولايات المتحدة. طبعا لا ننسى الهجوم الذي نفذه التنظيم في كرمان بإيران، والذي أودى بحياة العشرات.
لنتجه جنوبا في هذا الإقليم. تهدد جماعة “أنصار الله” الحوثية حركة الملاحة في البحر الأحمر، مما استدعى تدخلا من الولايات المتحدة وبريطانيا وتنفيذ ضربات على مواقع الجماعة في اليمن. وللغرب قليلا، نجد السودان حيث الصراع بين الجيش و“قوات الدعم السريع”، وليبيا التي لا تزال تعاني من انتشار الميليشيات المسلحة.
لنعد شمالا إلى سوريا والعراق. هنا لا يعجز الجيش فقط عن السيطرة على البلاد، بل يسلك هو نفسه في بعض الحالات سلوك الميليشيات: تهريب مخدرات، اشتباكات بين تشكيلاته، اغتيالات، وغيرها. ويشتبك الجيش الأردني مع عصابات التهريب التي لا تحاول تهريب المخدرات فقط، بل السلاح أيضا. إذن تهريب المخدرات ليس الهدف بحد ذاته، بل تمويل السلاح من المال المتحصل من تهريب المخدرات هو المطلوب. ليس الأمر جنائيا إذن، بل سياسي بامتياز.
لماذا تنمو التنظيمات خارج إطار الدولة؟
دون أدنى شك تؤثر هذه الكيانات بشكل متزايد على مسار الأحداث في الشرق الأوسط. تقليديا، وحتى مرحلة ما قبل “الربيع العربي”، كانت البيئة السياسية والأمنية في الشرق الأوسط خاضعة لهيمنة الدول ومؤسساتها العسكرية والأمنية القوية، بشكل أجبر عددا من هذه الميليشيات على الدخول في إطار هذه المؤسسات. حدث ذلك مع “حماس” عندما خاضت الانتخابات، ومع “حزب الله” بعد دخوله البرلمان كحزب سياسي. بمعنى أن التنظيمات اللادولتية كانت مقتنعة بأهمية الدولة ومؤسساتها لتنفيذ أجنداتها وأجندات من يقف خلفها ويدعمها. لكنها، وبشكل تدريجي، بدأت تستشعر أنها أصبحت أقوى من الدولة، بل إن الدولة نفسها أصبحت عبئا تضيق ذرعا به. فهي تريد حرية الحركة داخل الحدود وخارجها، ولا تريد قيودا أو مساءلة من مؤسسات الدولة.
لقد خلقت عوامل مثل عدم الاستقرار السياسي، والتفاوتات الاقتصادية، والقمع الهوياتي، والتدخلات الأجنبية والإقليمية، أرضا خصبة لنمو هذه التنظيمات وتعزيز نفوذها. كما تلقت الكثير من هذه التنظيمات دعما من دول أجنبية، مما يزيد من تعقيد الديناميكيات الإقليمية. ويتراوح هذا الدعم بين المساعدات المالية وإمدادات الأسلحة، وصولا إلى التدخلات العسكرية المباشرة. وفي حين أن مثل هذا الدعم يمكن أن يعزز قدراتها، فإنه يربطها أيضا بالأهداف الاستراتيجية الأوسع للدول الراعية، وأحيانا بشكل يتحدى هذه الدول الراعية ذاتها.
تحديات الدبلوماسية التقليدية
لا يمكن وضع هذه التنظيمات في سلة واحدة. فالتعامل مع “داعش” يختلف عن التعامل مع “حزب الله” أو “هيئة تحرير الشام” أو جماعة “أنصار الله”. إلا أن التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب استراتيجية إقليمية شاملة تعيد للدولة ومؤسساتها هيبتها المفقودة. فهذه التنظيمات هي في جانب منها حصيلة عملية تهميش مارستها الدولة نفسها على المحليات والأطراف، كما أن بعضها نشأ نتيجة عنف الأنظمة، الذي خلق مجتمعات تعيش تحت وطأة النزوح والتهجير والإفقار والتهميش.
ما يزيد من تعقيد التعامل مع هذه التنظيمات هو تحديها للجهود الدبلوماسية التقليدية. فعمليات السلام والمفاوضات التي كانت في الماضي تضم جهات فاعلة تابعة للدولة فقط، أصبحت اليوم تتطلب التعامل مع مجموعة متنوعة من التنظيمات المسلحة، ولكل منها مصالحها وأجنداتها الخاصة. وهذا التعقيد يفرض الحاجة إلى اتباع نهج دبلوماسي مبتكر يتجاوز الأساليب التقليدية.
نحو مقاربة إقليمية لاستعادة دور الدولة
بالنظر إلى المستقبل، من المرجح أن يستمر دور هذه التنظيمات في الشرق الأوسط في النمو. فالنسيج الاجتماعي والسياسي المعقد في المنطقة، والصراعات المستمرة، والمصالح الخارجية المتشابكة، كلها توفر بيئة مواتية لاستمرار هذه الظاهرة. ويتمثل التحدي الذي يواجه الحكومات والمجتمع الدولي في إيجاد طرق لاحتواء هذه الكيانات أو دمج بعضها في نظام إقليمي مستدام وسلمي. غير أن هذا الدمج يتطلب حلولا متعددة المستويات، تتراوح بين المواجهة العسكرية في بعض الحالات، كما حدث مع تنظيم “داعش”، وبين أدوات سياسية واقتصادية واجتماعية أكثر سلمية في حالات أخرى.
إن الدور المتزايد الذي تلعبه الجهات الفاعلة غير التابعة لدول بعينها في الشرق الأوسط يمثل تحولا كبيرا في المشهد الجيوسياسي للمنطقة. وقد أعادت هذه الكيانات، بأجنداتها وأساليبها المتنوعة، تشكيل ديناميكيات القوة والصراع والدبلوماسية. إن فهم هذه الجهات الفاعلة والتعامل معها بات أمرا بالغ الأهمية لأي استراتيجية تهدف إلى تحقيق الاستقرار والسلام على المدى الطويل في المنطقة.
وبشكل حاسم، يتعين على الدول العربية وسائر دول المنطقة التفكير خارج إطار الدولة الواحدة، والانتقال نحو تصور للأمن الإقليمي المشترك يضمن لها تحقيق التنمية داخل حدودها. فالتنمية المحلية لا يمكن أن تنجح في ظل إقليم مضطرب ومفتوح على الصراعات. وبعبارة أخرى: لا تنمية محلية دون سلام إقليمي، في سوريا واليمن والسودان، وفي الشرق الأوسط بأسره.
نشر أول مرة على موقع المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة بتاريخ 05-03-2024






