الوسطيّة وفخّ الانحياز للقوي
لا تزعم الوسطيّة سهولة شرح ذاتها في ظلّ الاستقطاب، وتُدرك أنّها ستواجه خصمَين على طرفَي الطّيف (أو الأطياف) السّياسية والاجتماعية. أولّ توتّرٍ معرفي يُواجه فهم الوسطية، هو الخلط بينها وبين الوسط. فالوسط هو الموقف السّياسي الذي يقع بين طرفي الخطّ السّياسي، والذي يحظى ببرنامج سياسي واقتصادي واجتماعي واضح، يتقاطع بجزء منه مع الأطراف السّياسية يميناً ويساراً.
أمّا الوسطية فهي النّهج الذي يمكن أنْ تنتهجه كلّ التّيارات، وهو في هذا نقيض الرّاديكالية، وعدو الاستقطاب. بالتّأكيد تسعى الوسطية إلى إنتاج الوسط، فهو عدتّها الأساسية، لكنّها في ذات الوقت تتباين معه في كونها الوسيلة، وكونه إحدى أهمّ نتائجها، كما أنّها في سعيها إلى إنتاج الوسط، تدرك أهمية استمرار اليمين واليسار كي يكتمل الطّيف السّياسي، أي أنّ السّياسة ليست الوسط، لكنّها لا تكتمل إلّا بوجوده. بهذا المعنى، يمكن للمعارض أو المؤيّد لسلطة ما أنْ يكون وسطياً طالما أنّه يقبل بوجود الآخر، ويتفق معه على فضاء سياسي مشترك يتّسع لكلّ منهما.
بكلامٍ آخر، الوسطية ليست موقفاً سياسياً، بل منهج يطالب بقبول جميع الأطراف السّياسية، والحوار معها، ومحاولة التّجسير فيما بينها، والتّشارك معها في خلق الفضاء السّياسي.
وهنا تواجه الوسطية تحدّيات عديدة، ربّما كان من أهمّها السّقوط في فخّ الرّمادية، والانحياز للأقوى، وهي بهذا معنية بالإجابة عن جملة أسئلة: كيف تنجو الوسطية من فخّ الحياد الزّائف؟ كيف لا تبدو الوسطية انحيازاً للسّلطة أو القوي؟ وكيف تنجو من فخّ الوقوف في الوسط بين الضّحية والجاني؟ كيف لها، في سعيها للجسر بين أطراف الاستقطاب، أن تضمن الانحياز للحقّ والعدالة؟
كنّا قد قلنا في مقال، تلقى ردوداً عديدة، إنّه “لا يمكن للوسطية أن تنجح إذا تحوّلت إلى موقف رمادي يفتقر إلى الوضوح، أو إلى صمت إزاء الأحداث الكبرى، أو إلى خطابات مثالية لا تقدّم حلولاً واقعية للتّحديات التي تواجه المجتمع”، فالوسطية ليست تردّداً في اتخاذ المواقف، ولا امتناعاً عن تسمية الخطأ أو الدّفاع عن الصّواب، كما أنّها لا تقوم على المساواة الأخلاقية بين جميع المواقف أو الانتهاكات. إنّها موقف واضح، يطالب بالعدالة والمحاسبة ويحدّد المنتهك، لكنّه يختلف عن المواقف الرّاديكالية في أنّه يرفض تحويل الخلاف إلى عداء، والسّياسة إلى معركة وجودية، والمحاسبة إلى انتقام وإلغاء وعدمية.
من هنا يتعيّن على الوسطية ألّا تقع في جملة أفخاخ قد تحوّلها من منهج إلى طرف، ثمّ من طرف غير منحاز لأي من أقطاب التّوتر، إلى طرف منحاز إلى الطّرف الأقوى. عليه؛ ليست الوسطية مسافة هندسية بين موقفَين، وإنّما في أحد أوجهها منهج للحكم على المواقف. قد تقف مع طرف في حقّه، وضدّه في وسيلته. وقد تدين جريمة طرف من دون أن تتجاهل الجريمة المؤسّسة التي أنتجت الصراع.
لا تساوي الوسطية بين الجاني والضّحية، ولا تطلب من الطّرف الأضعف ضبط النّفس، بينما تترك الطّرف الأقوى محتفظاً بما راكمه من سلطة ونفوذ. دون شكّ ليست هذه التّهمة بلا أساس دائماً؛ إذ قد تتحول الوسطية، في ظلّ قلقها المستمرّ بين طرفَي الاستقطاب أو أطرافه، إلى غطاء للانحياز إلى الأمر الواقع، وخصوصاً إذا اختلط بين الوسط والوسطية. الوسطية التي نعني، لا تدّعي أنهّا بلا انحياز. فالمواقف السّياسية والأخلاقية التي تمتنع عن الانحياز إلى أي معيار تنتهي، غالباً، إلى خدمة الطّرف الأقدر على فرض الواقع الذي يريد. ولذلك لا يكمن الفرق الحقيقي بين الوسطي وغيره في وجود الانحياز أو غيابه، وإنّما في موضوع هذا الانحياز. باختصار، لا ينحاز الوسطي إلى جماعة أو سلطة أو هُوية سياسية، بلْ إلى الحقوق والمبادئ التي ينبغي تطبيقها على الجميع. فإدانة ما جرى في السابع والثامن من آذار بحق العلويين، وتسميته بالمجازر، والمطالبة بالمحاسبة واجب، والمجازر التي ارتكبت بحق الأمن العام في السادس من آذار 2025 مدانة، والمطالبة بالمحاسبة واجبة، وهي في إدانتها لكلا الحدثَين، لا تقع في فخ تبرير الجريمة بجريمة. ولا تنسى جريمة وتركز على أخرى.
تنطلق الوسطية الجادّة من تطبيق معيار أخلاقي وقانوني واحد على مختلف الأطراف، لكنّها لا تفترض أنّ تطبيق هذا المعيار سيقود إلى أحكام متساوية. فالعدالة لا تعني توزيع المسؤولية بالتّساوي، بل تحديدها استناداً إلى الأفعال المرتكبة، وحجم الضرر، والقدرة على منعه، والموقع الذي كان يشغله كلّ طرف في منظومة القوّة. هنا تدرك الوسطية أنّ مسؤولية الدّولة ومؤسّساتها، وحكوماتها، هي الأولى بحكم إمساكها بأدوات القوّة من مؤسّسات. غير أنّ هذه المسؤولية ليست مطلقة. قد ترتكب أطراف الاستقطاب انتهاكات، لكنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنّ انتهاكاتها متماثلة، لا من حيث الحجم ولا من حيث الطّبيعة ولا من حيث السّياق. وقد يكون أحدهما مسؤولاً عن بناء منظومة واسعة من القمع، بينما يكون الآخر مسؤولاً عن تجاوزات ارتكبها خلال مقاومتها. إدانة التّجاوزات في الحالتَين ضرورية، لكنّها لا تلغي الفارق بين المسؤوليتَين، ولا تحوّل الصراع تلقائياً إلى مواجهة بين طرفَين متساويَين. حين تطالب الوسطية الطّرف الأضعف وحده بالتّهدئة، لأنها تستطيع الضّغط عليه بسهولة، فإنّها لا تكون محايدة؛ بل تساعد الأقوى على الاحتفاظ بمكاسبه. وحين تُدان مقاومة الظّلم من دون معالجة البنية التي أنتجته، تصبح الدعوة إلى الاستقرار وسيلة لتثبيت اختلال القوة. فالهدوء ليس دائماً سلاماً، وقد يكون أحياناً الاسم الذي يُطلق على عجز الضّحايا عن الاعتراض.
ليست الوسطية حياداً تجاه الضّحية، ولا يمكن لها أن تكون كذلك. فهي تنحاز بوضوح إلى حقّ الضّحية في معرفة الحقيقة، والاعتراف بما تعرّضت له، ومحاسبة الطّرف المسؤول، والحصول على الإنصاف والتّعويض وضمانات عدم التّكرار، كما ترفض مطالبتها بالنّسيان لمجرّد أنّ الاعتراف بمعاناتها قد يزعج السّلم السّياسي أو يعقّد التّسوية. غير أنّ هذا الانحياز لا يعني منح الضّحية، أو من يدّعي تمثيلها، تفويضاً مفتوحاً للانتقام. فالتعرّض للظّلم لا يحوّل كلّ فعل لاحق إلى فعل مشروع، ولا يمنح صاحبه حصانة أخلاقية دائمة. يمكن للضّحية أن تتحوّل إلى جانٍ في سياق آخر، كما يمكن لقضية عادلة أن تُستخدم لتبرير وسائل غير عادلة. ولهذا تفصل الوسطية بين الاعتراف الكامل بالمظلومية وبين قبول كلّ ما يمكن أن يرتكب باسمها. رفض الانتقام ليس تخلياً عن الضّحية، بل حماية لمفهوم العدالة من التّحول إلى دورة جديدة من الثّأر.
وربما المسألة الأهمّ، قد تكون أكثر سمات الوسطية إثارة للشكّ استعدادها للحوار مع الجميع، بمن فيهم أشخاص أو جماعات ارتكبوا انتهاكات أو تبنّوا مواقف يصعب قبولها. غير أنّ الحوار لا يعني منح الشّرعية لكلّ ما يقوله المشاركون فيه، كما أنّ الدّعوة إلى مشاركة أشخاص تحوم حولهم شبهات الانتهاك، لا يعني تبرئة أفعالهم أخلاقياً أو قانونياً. من الممكن الاعتراف بحقّ طرف ما في المشاركة في صياغة مستقبل البلاد، مع الإصرار في الوقت نفسه على مساءلة أفراده عن الجرائم التي ارتكبوها. لا يجب أن يكون المعيار هو: مع من تحدّث الوسطي، وكيف يطرح الحوار مع مرتكب أو منتهك، بل ماذا قال له، ولماذا قال ما قال، وماذا صدق وماذا لم يصدّق؟
تدرك الوسطية أنهما ملزمة أحياناً بالالتزام بشيء من الواقعية السّياسية، في سعيها إلى الاستقرار، وهنا عليها تطبيق هذه الواقعية على جميع الأطراف، مع إيضاحها حقيقة هذه الواقعية، وأسباب قبولها شروطاً ليست عادلة بالمطلق. وهنا؛ وفي معرض وقوفها إلى صالح الحوار من جهة، وإلى قبول شروط الواقع الصّعبة من جهة أخرى، لا يجب أن تتحوّل إلى مجرّد تقريب وجهات النّظر أو تخفيف حدّة الخطاب، دون سعي حثيث إلى تصويب الواقع وتغيير شروطه.
فإذا أبقت التسوية علاقات القوّة على حالها، وطلبت من الأضعف التّكيف معها، فإنّها لا تعالج الصّراع، بل تديره لمصلحة الطّرف المستفيد من الوضع القائم، وهي هنا، من حيث تدري أو لا تدري، قد تعيد إنتاج الصّراع. بكلام آخر، ليست الحلول الوسطية الحقيقية توزيعاً للمكاسب بين القوى النّافذة، وإنّما تسعى، ما استطاعت، ومن دون أن تبيع الوهم للنّاس، إلى صياغة القواعد التي تنظّم علاقات الأطراف فيما بينها، بما في ذلك إصلاح المؤسّسات، وضمان المشاركة السّياسية وشموليّتها، وتوسيع الوصول إلى العدالة، وتوزيع الموارد بصورة أكثر إنصافاً، ووضع قيود على استخدام السّلطة، وإنشاء ضمانات تحول دون عودة الاحتكار أو الإقصاء.
إذاً ليست الوسطية رماديةً في المواقف أو حياداً أخلاقياً، لكنّها مستقلة عن العصبيات السّياسية والهويات المغلقة، ولهذا لا يكون سؤالها: كيف نقف في منتصف المسافة بين الجاني والضّحية؟ بل: كيف ننصف الضّحية، ونحاسب الجاني، ونمنع في الوقت نفسه أن يُعاد إنتاج الظّلم تحت هوية جديدة، وأن نحافظ على الاستقرار وأن نسعى للعدالة، في معادلة قد تبدو أحياناً مستحيلة، أو طوباوية سياسية. غير أنّ التّاريخ وتجارب الدّول التي خرجت من صراعات كبرى، ينبئ أنّنا ما لم نسعَ إلى تطبيق العدالة والاستقرار في آنٍ واحد، والإقرار والمسامحة في آنٍ واحد أيضاً، فإنّنا قد نضحّي بالعدالة نحو استقرار وهمي لا يلبث أن ينفجر في لحظة ما، أو أن نضحّي بالاستقرار نحو عدالة لن تتحقّق في واقع الأمر في ظلّ الفوضى والدّمار.
مقال للدكتور زيدون في موقع العربي الجديد






