الفيدرالية بين الطرح العاطفي والقراءة العلمية
بتاريخ 17 كانون الثاني/يناير 2022 نشر موقع 180post بحثاً مهماً للباحث الدكتور عقيل سعيد محفوض بعنوان “الفيدرالية حل أم مشكلة لسوريا” (*)، وهو برأينا يفتح الباب لمزيد من التعاطي الموضوعي والعلمي مع قضية غلب على المتعاطين معها، إيجاباً وسلباً، الجانب العاطفي.
دأب المنادون بالفيدرالية في سوريا، (مجلس سوريا الديموقراطي وبعض القوى الكردية بشكل أساسي)، على تقديمها كوصفة حل سحرية لكل مشكلات سوريا، مغفلين تجارب عديدة فشلت فيها الفيدرالية في تحقيق أي تقدم على مسار الدمقرطة والسلم الأهلي، ومن دون أي دراسة علمية للسياق السوري وتحدياته، ومدى استعداده لتلقي مثل هذه المنظومة. أما الكارهون للفيدرالية، نظاماً ومعارضة سياسية، فيهاجمونها على أساس أنها “تقسيم للبلاد، وأداة استعمارية تسعى القوى الدولية من خلالها إلى تمرير أجنداتها الشريرة”، وأيضاً من دون دراسة علمية موضوعية للسياق السوري، ولتجارب فيدرالية نجحت في توحيد الممزق.
ما سنحاول تقديمه في هذه المقالة، هو تدقيق لما نراه بحاجة إلى ذلك، واستكمال لما رأينا ضرورة إيراده، لمسألة تبدو في غاية الحيوية في هذه الفترة مستعملين تقسيماً مشابهاً إلى حد ما لذلك الذي قدمه الباحث سعيد محفوض لتسهيل القراءة والاستكمال لدى القارئ.
الفيدرالية
أولاً: ما الفيدرالية؟
نتفق تماماً مع ما أورده الدكتور محفوض من أن الفيدرالية هي تقنية سياسية ودستورية، وليست وصفة قانونية لحل جميع المشكلات الناجمة عن نزاع ما، أو حتى تلك التي تعاني منها منظومة سياسية واجتماعية واقتصادية في نزاع آخر. الفيدرالية ليست خيراً وليست شراً. هي شكل من أشكال إدارة البلاد كما في بلدان كبرى كالولايات المتحدة ـ مخترعة هذه المنظومة ـ والهند وكندا؛ وفي دول صغيرة من حيث المساحة والسكان كسويسرا وبلجيكا؛ وفي دول تعتبر الديموقراطية فيها راسخة ككندا؛ وفي دول تنتهج الفيدرالية بلا مستويات عالية من الديموقراطية كروسيا الاتحادية والإمارات العربية المتحدة. وثمة دول تتبناها على أساس عرقي كبلجيكا وسويسرا، وأخرى على أساس جغرافي محض مثل الولايات المتحدة إلخ.
ما يمكن أن يجعل الفيدرالية اليوم مناسبة لسوريا هو إنقاذها من التقسيم، على عكس ما يطرحه المتخوفون منها. سوريا اليوم مقسمة بحكم الأمر الواقع إلى مناطق نفوذ تتطور فيها يومياً نماذج سياسية واقتصادية واجتماعية متباينة، أضحت بشكل متزايد أشبه ببلدان لا تجمعها حتى كونفيدرالية.
تتطلب الفيدرالية، تعريفاً، مستويي حكم في البلاد، تُعطى فيه الولايات (أو الدول كحالة المصطلح الأميركي)، أو البلدان (بحسب المصطلح الألماني) أو الجمهوريات كحال المصطلح الروسي، أو الإمارات كما في الإمارات العربية المتحدة، صلاحيات واسعة لإصدار قوانين محلية في المقاطعات والولايات والبلدان من جهة، ومن جهة ثانية، هنالك تمثيل لهذه الكيانات على المستوى الوطني عبر مجلس المقاطعات، أو مجلس الشيوخ، أو المجلس الاتحادي، يكون فيه التمثيل للمقاطعات والأقاليم وليس للمواطنين. المُتطلّب الثالث، هو تشارك السيادة بين الإقليمي والوطني، وعدم قدرة مستوى على إلغاء مستوى آخر، فلا المستوى الوطني يلغي الإقليمي ولا العكس، وأي تعديل على أحدهما يتطلب توافق المستويين معاً. جوهر الفيدرالية تاريخياً هو السمة الاتحادية بين كيانات مستقلة (النموذج الأول هو نموذج الولايات المتحدة)، أي أنها توحيد المفرق، إلا أنها أصبحت تقنية سياسية وقانونية لإعادة تشكيل البلاد كما هو الحال في جنوب إفريقيا وإسبانيا ونيبال ورواندا وإثيوبيا.
نتفق هنا مع محفوض في أن الفيدرالية طيف واسع وليست مسألة “إما، أو”، وتكاد لا تتشابه فيدرالية مع أخرى. التباين هنا في صلاحيات الأقاليم والمركز من جهة، وشكل التركيبة الهيكلية التي تربط بعضها ببعض، وآليات التقسيم الإداري للأقاليم (على أساس جغرافي، أو إثني، أو طائفي إلخ) من جهة أخرى. وبالتالي تعتبر جنوب إفريقيا وإسبانيا دولتان شبه فيدراليتين Quasi-Federal، في حين تعتبر بريطانيا (على خلاف ما أورد محفوض) دولة أحادية برغم وجود كيانات مثل اسكتلندا، وويلز، وإيرلندا الشمالية فيها، وبرغم من وجود برلمانات فيها، لكنها لا تحقق شروط الفيدرالية مطلقاً.
من المهم إيراد أن هناك دولاً استدعت العامل الفيدرالي للخروج من النزاع، مثل جنوب إفريقيا، وإسبانيا، ورواندا، ودولاً تحولت إلى النظام الفيدرالي بدون نزاع للتكيف مع ظروفها الاقتصادية والاجتماعية مثل نيبال، ودولاً أنشأت فيدرالياتها بشكل طوعي عبر اتحاد بلدانها، كالولايات المتحدة الأميركية (الترجمة الدقيقة ليست الولايات المتحدة وإنما الدول المتحدة).
عليه، لا يمكن الخلوص إلى نموذج واحد للفيدرالية عكس المغالطات التي يوردها خصومها أو أصدقاؤها السوريون/ات، فهناك فيدراليات في دول صغيرة، ودول كبيرة، وفي دول ديموقراطية، وأخرى غير ديموقراطية، ودول تحولت إليها بعد النزاع، وأخرى من دونه. تماماً كما توجد دول أحادية صغيرة، وكبيرة، وديموقراطية، وغير ديموقراطية.
المغالطة الثانية التي يوردها بعض السوريين/ات، والتي لم يأت على ذكرها محفوض هي المطابقة بين اللامركزية السياسية، والفيدرالية، واعتبارهما مترادفين. حقيقة اللامركزية السياسية تعني قدرة المجتمعات على انتخاب سلطاتها المحلية، وتمتع هذه السلطات بصلاحيات تخولها إصدار قوانين محلية أو إقرار سياسات وأنظمة تطبق على المستوى المحلي، في حين تتطلب الفيدرالية أن تعطى هذه السلطات صلاحيات على المستوى الوطني عبر الغرفة العليا (مجلس الشيوخ، جمعية المناطق، إلخ)، وفي كلتا الحالتين تحتفظ السلطة المركزية بالسلطة على الجيش، والأمن، والاقتصاد الكلي، والنقد، والعلاقات الخارجية، وتوقيع الاتفاقيات والمعاهدات ومنح الجنسية.
غير أن المخيال السوري، لدى مؤيدي الفيدرالية وخصومها على السواء يقيس على النموذج الفيدرالي العراقي الذي تشوبه عيوب جوهرية تجعله أقرب إلى الكونفيدرالية من الفيدرالية في أحسن الأحوال، وهو برأينا – وكما سنرى لاحقاً – ليس إلا شكلاً فريداً في العالم، ولا يصح مثالاً يحتذى في حال من الأحوال.
الفيدرالية ومخارج الحرب في سوريا
ثانياً: الرؤية والمقاربة
هل يمكن تطبيق الفيدرالية كمخرج للحرب في سوريا؟
للإجابة على هذا السؤال سنطرح السؤال الأهم والأعم: ما هي أساساً مخارج الحرب في سوريا؟ نرى أن الإجابة على هذا السؤال تنطلق من فكرة وجود القوى الأجنبية على الأرض السورية، واحتمالات انسحابها، و/أو وصول هذه القوى إلى توافق بينها حول المخرج. نفترض أن الوجود الروسي في سوريا نافل، وأنه مقبول لجميع الأطراف غير السورية، لتبقى أربع قوى أخرى هي إيران، وتركيا، والولايات المتحدة، و”إسرائيل”.
تتعقد عملية وجود هذه الأطراف بالتفاوض النووي، والعلاقة مع حزب العمال الكردستاني، والحرب على الإرهاب، وصراع المشاريع الإقليمية. هذا على الأرجح ينفي احتمالات أي انسحاب أميركي وشيك، بعد أن كان احتمالاً وارداً قبل نحو ثلاث سنوات، فما بالك بانسحاب تركيا التي يزداد عديد قواتها شمال البلاد، وتدخل شركاتها لتقدم الكهرباء والخدمات في إدلب، وما بالك بإيران التي يزداد توسعها اجتماعياً واقتصادياً من دون أي مؤشر على أي انسحاب. بالطبع الانسحاب “الإسرائيلي” بعيد أيضاً.
إذاً لا مؤشرات حقيقية على انسحاب القوى الأجنبية، وبالتالي سيبقى تقسيم البلاد قائماً، وستبقى القوى الثلاث مسيطرة على جغرافياتها، وكلٌّ سعيد بما لديه.
وما لم تتوجه الأطراف السورية – ومن خلفها القوى الدولية الداعمة لكل منها – نحو إيجاد آلية تتعامل مع الواقع، ومحاولة ربط الجغرافيات الثلاث (أو حتى الأربع، أو الخمس) بنماذج اقتصادية ونماذج حوكمة متشابهة فإن التقسيم قادم لا محالة. يكفي أن يتكيف الناس مع هذا الواقع بضع سنوات ليتكرر لدينا النموذج الكوري أو القبرصي، وتنتهي البلاد إلى دويلات متناحرة غير قادرة على الحياة في حقيقة الأمر.
نظام الحكم رئاسياً كان أم برلمانياً أم مختلطاً ليس جيداً أو سيئاً بالضرورة، بل يتعلق بظرف بلاد ما وشرطها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. وكذلك الأمر بالنسبة للفيدرالية؛ فشلها في بلاد لا يعني سوءها المطلق وتوصيفها كأداة للتقسيم، ونجاحها في بلاد أخرى لا يعني حسنها المطلق وتوصيفها كأداة دمقرطة وتشارك سلطة.
ما الذي يعنيه هذا؟ برأينا، يعني هذا أن فدرلة البلاد قد تكون المخرج الوحيد لكي تبقى البلاد موحدة في ظل الوجود الأجنبي في مختلف الجغرافيات، ريثما تتحقق معجزة ما ويتغير المشهد الإقليمي و/أو الدولي ليتيح إعادة بناء الدولة وإحداث تغيير جذري في شكلها نحو استقرار ودمقرطة البلاد. بكلام آخر: ما لم تخرج هذه القوى الخارجية فالخيار أمامنا هو نموذج حكم يتعايش مع وجودها، ومع وجود القوى السورية التي تعيش في ظل حمايتها كما هو الأمر الواقع الآن.
يتعين على هذا النموذج أن يحفظ قدرة البلاد على البقاء موحدة، وأن يخلق شكلاً من أشكال المشاركة في الحكم يترك للمركز الحالي السلطة الأساسية على القرارات الوطنية، بما في ذلك ما يتعلق بالجيش والعلاقات الخارجية، ويحفظ للأطراف قدرتها على حماية أمنها المحلي وإدارة مواردها وشؤونها المحلية، كما يتيح لها المشاركة في السياسات الوطنية عبر التمثيل في البرلمان، والذي يتطلب تعديلات دستورية جوهرية.
ندرك طبعاً صعوبة تقبل جميع الأطراف لمثل هذا الحل، ولكن السؤال الأهم: ما هو البديل؟
الأطر المرجعية: القرار 2254 والتاريخ الدستوري السوري
ثالثاً: الأطر المرجعية
نتفق هنا مع طرح محفوض حول إكراهات الحرب، ومع مرجعية القرار 2254 الذي يتحدث عن تطبيق بيان جنيف المؤرخ بـ 30 حزيران/يونيو 2012 وذلك “بسبل منها إنشاء هيئة حكم انتقالية جامعة تخوَّل سلطات تنفيذية كاملة، وتعتمد في تشكيلها على الموافقة المتبادلة، مع كفالة استمرارية المؤسسات الحكومية”.
القرار هنا يتحدث عن سبل مختلفة لإحداث الانتقال السياسي، وبما يضمن استمرار المؤسسات الحكومية. إذاً ووفق هذا القرار، ليس بالضرورة أن تكون “هيئة الحكم الانتقالي” كما تشتهي المعارضة هي السبيل الوحيد للانتقال السياسي، كما أنه ليس بالضرورة وفق معطيات الأرض كما تشتهي السلطة في دمشق.
إذاً قد يحدث الانتقال بالتوافق المتبادل عبر تشارك السلطة بين المركز ممثلة بالحكومة المركزية، والأطراف ممثلة بالإدارة الذاتية وقوى المعارضة السياسية والمسلحة، وبما يحفظ للبلاد وحدتها وللقوى الأجنبية نفوذها على الأقل مؤقتاً.
وهنا يبرز أيضاً دور اللجنة الدستورية التي تبحث لنفسها، ويبحث لها ضامنو آستانة عن موطئ قدم في ملعب الأزمة. فأي حل كالذي تطرحه الفيدرالية يتطلب تعديلات دستورية أو إصلاحات دستورية، إذ تتطلب الفيدرالية نصاً دستورياً يعطي الأطراف دوراً في المركز عبر الغرفة العليا كما يعطيها صلاحيات محلية أكبر.
زد على ذلك أن التاريخ السوري لا يتعامل مع الفيدرالية وكأنها قادمة من كوكب آخر. فمشروع أول دستور سوري كان دستوراً فيدرالياً وبغرفتين تمثل إحداهما المناطق أو المقاطعات بلغة هذا الدستور.
إذاً: الحرب وإكراهاتها، وعلى رأسها الوجود الأجنبي، والقرار 2254، والتاريخ الدستوري السوري، هي عوامل تمنح الفيدرالية مشروعيتها.
نعود ونؤكد، ليست الفيدرالية التي ستأتي بالديموقراطية كما يقول مناصروها، بل التي قد تعيد وحدة البلاد، على عكس ما يقوله خصومها.
خلاصة
نتفق تماماً مع طرح الدكتور محفوض في أن الفيدرالية ليست قيمة بحد ذاتها لرفضها أو قبولها. هي تقنية سياسية ودستورية قد تناسب بلداً وقد لا تناسبه، وقد تناسب بلداً في ظرف سياسي ولا تناسبه في ظرف آخر.
ما يمكن أن يجعل الفيدرالية اليوم مناسبة لسوريا هو إنقاذها من التقسيم. سوريا اليوم مقسمة بحكم الأمر الواقع إلى مناطق نفوذ تتطور فيها يومياً نماذج سياسية واقتصادية واجتماعية متباينة، أضحت أشبه ببلدان لا تجمعها حتى كونفيدرالية.
لا يبدو أن لأي طرف القدرة على بسط سيطرته على كامل الأراضي السورية، ولن تكون المعابر الحدودية بيد طرف واحد ما لم تحدث معجزة ما. وصول قوى السيطرة المختلفة ومن خلفها القوى الدولية الداعمة إلى توافق ينعكس سياسياً وقانونياً ضمن إطار واحد، وتقديم تنازلات من جميع الأطراف، هو الحل الوحيد كي يرفرف علم واحد على كامل البلاد، مع أعلام المناطق، وقد يكون علينا أن نتحمل معها بعض الأعلام الأجنبية، ولو مؤقتاً.
نشر أول مرة على موقع 180post بتاريخ 12-4-2023.






