لم يحظ مصطلح الوسطية بكثير من الجاذبية زمناً طويلاً في سورية، وربما في العالم العربي عموماً، لصالح أفكار أكثر جذرية ترتبط بدعم فكرة ما أو الوقوف بوجهها بشكل كامل، غير أن سقوط نظام الأسد سيعيد المصطلح والبحث عن جوهره، لا سيما أن خلفية السلطة الحالية تعود جذورها إلى الأصولية، غير أن تطرقنا إلى الوسطية في هذه المعالجة، لا ينحصر بجانبها الديني وحسب، بل في مجالات عدة باتت الوسطية حلاً للتوافق فيها.
عاد المصطلح ليظهر في البلاد بعد 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، معرّفاً عموماً بالموقف من النخبة الحاكمة الجديدة في دمشق، والمتمثلة في هيئة تحرير الشام والفصائل والقوى المتحالفة معها. فالوسطية، على ما طرحت نفسها، لا تناصب العداء لهذه النخبة، ولا تتحالف معها، فلا هي خصمها ولا هي حليفتها. غير أن هذا الموقف ظلّ غير معرّف بشكل دقيق. فما هي الوسطية؟ ما الذي تهدف إليه؟ ما الحاجة إليها؟ هل حقاً هناك حاجة لها؟ هل تتغيّر الوسطية بتغيّر السلطة؟ هل هي تيار سياسي؟ هل تطرح نفسها بديلاً عن أطراف الاستقطاب القائمة أم مكملة للطيف السياسي، أم هي شيء آخر تماماً؟
في واقع الأمر، لا تنتهي الحروب والنزاعات عادةً مع آخر رصاصة، أو بتوقيع أمراء الحرب على اتفاقيات السلام، أو مع إسقاط نظام وإحلال نظام جديد، بل قد تبدأ معارك أخرى مباشرة في وعي المجتمعات ونفوسها، بعد بدء عملية الانتقال. إذ لا يكمن الإرث الأثقل لأي نزاع داخلي في البنية التحتية المدمّرة، بل في تفكك المساحة المشتركة بين أفراد المجتمع ومكوناته، والتجاء المجتمعات والأفراد إلى أقصى الهويات الفرعية، في حالة نبذ الآخر وكراهيته، وهو ما بات يعرف بـ”الاستقطاب الوجداني الحاد”. في مثل هذه الحال، تصبح البيئة السياسية والاجتماعية سامة، تمسي فيها لغة التفاوض والحوار خيانة، ويصبح الخصم السياسي عدواً، وتهيمن لغة الإسقاط والإلغاء، إلى حد تشيطن فيه حتى فكرة التنافس السياسي.
في مثل هذا الجو المشحون، يهوي الوسط ويتشظى، ليس هناك من يشغله، وإن وجد فهو صامتٌ لا يجرؤ على رفع صوته. خشية اتهامه بالتضليل والرمادية والانتهازية و”الكيتنة” إلى حد يصبح الوسط مقفراً وشاغلوه منكفئين (يعرف أحياناً بحزب الكنبة) ويتحول معها من يزعم “الوسطية السياسية” إلى هدف للأطراف المستقطبة.
يحاول هذا المقال تقديم أطروحة تحاول فهم الوسطية وتدافع عنها، زاعمين إن غيابها قد يعيد إنتاج النزاع بصيغ وأدوات مختلفة، وأن غيابها يكسر التوازن في المجتمع. بل نذهب أبعد من ذلك، للقول إن الوسطية قد تمثل في أحد جوانبها إعادة بناء المجتمع المتشظي بفعل الحرب.
فيالعلومالسياسية،لاتشيرالوسطيةبالضرورةإلىالوقوففيمنتصفالمسافةبينالأطرافالمتنافسة،ولاإلىالبحثالدائمعنحلولوسطبينجميعالمواقف
ماهيالوسطية؟
يمكن فهم “الوسطية” بالنظر إلى نقيضها أي الاستقطاب. فالاستقطاب يفترض بيئة سياسية يرى كل طرف نفسه على حق، في حين يرى الآخر عدواً، لا خصماً، تجب هزيمته. بالتالي يمكن فهم الوسطية باعتبارها مخرجاً من الاستقطابات الحادة التي تطبع الحياة السياسية والاجتماعية خلال الصراع. دون أدنى شك، ليست الوسطية مفهوماً بديهياً أو متفقاً عليه. فبينما يراه البعض تعبيراً عن الاعتدال والتوازن والبحث عن القواسم المشتركة، قد يراه آخرون ليس إلا واحداً من التيارات السياسية التي تشغل طيف السياسة، وقد يراه البعض موقفاً غامضاً أو محاولة لتجنب الانحياز في القضايا الخلافية. ولذلك فإن أي نقاش جاد حول الوسطية يقتضي أولاً تحديد المقصود بها قبل الحكم على جدواها أو حدودها.
في العلوم السياسية، لا تشير الوسطية بالضرورة إلى الوقوف في منتصف المسافة بين الأطراف المتنافسة، ولا إلى البحث الدائم عن حلول وسط بين جميع المواقف. بل يمكن بوصفها مقاربة لإدارة الخلافات السياسية في المجتمعات التعددية، تقوم على افتراض أن الاستقرار السياسي لا يتحقق من خلال انتصار طرف واحد بصورة كاملة وساحقة، بل من خلال إيجاد ترتيبات مؤسسية تسمح للجماعات المختلفة بالتعايش والتنافس والتفاوض ضمن إطار مشترك. ومن هذا المنظور، ترتبط الوسطية بمفاهيم مثل التسوية السياسية، والاعتراف المتبادل، وتقاسم المصالح، والحد من الاستقطاب، وهي لا تعني غياب المبادئ أو المواقف، بل السعي إلى إدارة الاختلافات بطريقة تمنع تحولها إلى صراعات وجودية تهدد تماسك الدولة والمجتمع.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في سورية، حيث لم تعد الانقسامات مقتصرة على الخلافات السياسية أو الأيديولوجية، بل تحولت خلال سنوات الصراع إلى ما تصفه الأدبيات السياسية المعاصرة بـ”الاستقطاب الوجداني”؛ أي اتساع الفجوة العاطفية بين الجماعات المختلفة بحيث يقترن الانتماء إلى جماعة معينة بمشاعر إيجابية تجاه أعضائها ومشاعر سلبية تجاه الجماعات الأخرى. وفي هذا السياق، لا يصبح الخلاف مجرد اختلاف في الرؤى أو المصالح، بل يتحول إلى علاقات متبادلة من الخوف والريبة والمرارة وانعدام الثقة، تصل إلى حد الكراهية المتبادلة، الأمر الذي يجعل الوصول إلى التوافقات أكثر صعوبة حتى عندما تتقارب المواقف السياسية نفسها. بمعنى آخر، قد يتفق طرفان أو أكثر بالهدف، قل تحقيق الديمقراطية والسلام، لكنه ومع ذلك، وربما لاختلاف الانتماء أو عدم الاتفاق على الوسيلة، يأخذ الاستقطاب الطرفين إلى عداء ذي سمة عاطفية تجعل الحوار بينهما شبه مستحيل.
من هنا، فإن أهمية الوسطية في الحالة السورية لا تنبع من كونها موقعاً يقع بين الأقطاب السياسية المتنافسة، بل من قدرتها المحتملة على الحد من آثار الاستقطاب الوجداني وإعادة بناء المساحات المشتركة بين السوريين. وهي من هذا المنطلق لا ترى في الأطراف السياسية خصوماً سياسيين بالمعنى الدقيق، بقدر ما ترى خصمها في شكل الاستقطاب الحادث. هي، إذاً، لا تسعى إلى إلغاء الخلافات أو إنكار التعددية، وإنما إلى منع تحول هذه الخلافات إلى مواجهات صفرية ينظر فيها كل طرف إلى الآخر بوصفه تهديداً وجودياً. وبهذا المعنى، يمكن فهم الوسطية بوصفها إطاراً لإحياء التعددية وإدارة الصراع ضمن قواعد مشتركة، أكثر من كونها مجرد موقف سياسي يقع في منتصف الطريق بين مواقف متعارضة.
من المهم هنا أيضاً فهم الوسطية في السياقات الاستقطابية الناشئة بعد النزاعات العنيفة أو أثناءها، بشكل يتباين مع خط الوسط السياسي السائد في الديمقراطية الراسخة، والذي، ورغم تقاطعه مع الطروح ذات الطابع الوسطي إلى حد كبير، إلا أن الوسط السياسي في هذه الديمقراطيات هو في قلب التنافسات السياسية، وهو يرى في أطراف الطيف السياسي خصوماً سياسيين يسعى إلى هزيمتهم، في حين أن الوسطية في الزمن الاستقطابي تسعى إلى أن تكون أداة، أو واحدة من أدوات، بناء السياسة بحد ذاتها. وهنا، تطرح الوسطية نفسها على قاعدة مفادها أن الخطاب السائد ليس سياسياً بقدر ما هو عاطفي مشحون ومبني على الإقصاء، وهي في ذلك تسعى إلى نقله من هذا الفضاء إلى الفضاء السياسي التنافسي، أي بناء السياسة.
الوسطيةلاتسعىإلىإلغاءأيٍّمنأطرافالنزاعولاأنتجعلمننفسهابديلاًله،وإنماتسعىإلىجذبكلالأطرافبعضهانحوبعض،بحيثتظهرلكلطرفمنظورالأطرافالأخرى
وهنا، تطرح الوسطية نفسها وبالشراكة مع جميع الأطراف بالضرورة، بالاستناد إلى عدد من المعايير والقواعد التي تراها ناظمة للحياة السياسية، والحقل العام برمته.
ولإيضاح هذه القواعد، سننطلق من محاولة فهم الحالة الاستقطابية في سورية. ظهر الاستقطاب في سورية مباشرة بعد سقوط نظام الأسد، متعمقاً بعد مجازر آذار وتموز 2025. يتجلى هذا الاستقطاب بالنظر إلى النخبة الحاكمة الجديدة في دمشق، بين مؤيد لها لاعتبارات سياسية و/أو اجتماعية ومعارض لها على القواعد نفسها. قد تبدو هذه الحالة استمراراً للاستقطاب الذي شهدته البلاد مع انطلاقة ثورة آذار، غير أنه اتخذ شكلاً أكثر عمقاً، وطائفية، مع انهيار نظام الأسد، وانكشاف المجتمع على آفة الطائفية بشكل صارخ.
أولى هذه القواعد أن الحالة الاستقطابية بعد فترة النزاع المسلح، وبشكل خاص في حال انتصار طرف عسكري على طرف، حالة متوقعة لا تصيب الطبقة السياسية وحسب، بل تصبح حالة اجتماعية سائدة. فالاستقطاب السياسي والاجتماعي الذي شهدتاه مصر وتونس على سبيل المثال ظل حاضراً لسنوات بعد تغيير النظام، ليسهم في نهاية المطاف في تراجع قوى التغيير الديمقراطي فيهما. كما شهد العراق حالة ربما كانت أكثر عنفاً بعد سقوط نظام صدام فيه. وحتى في بلدان جاء التغيير السياسي فيها على أساس من التوافق بين أطراف النزاع، كحالة جنوب أفريقيا مثلاً، فإن الاستقطاب كاد يعيد البلاد إلى أتون الحرب الأهلية مرة أخرى.
ثانية هذه القواعد الاعتراف، وهنا نعني أن الوسطية لا تسعى إلى إلغاء أيٍّ من أطراف النزاع ولا أن تجعل من نفسها بديلاً له، وإنما تسعى إلى جذب كل الأطراف بعضها نحو بعض، بحيث تظهر لكل طرف منظور الأطراف الأخرى، بحيث يحظى كل طرف باعتراف الآخر بأحقيته في بناء سرديته الخاصة، المختلفة بالضرورة عن باقي السرديات. عليه، لا ترى الوسطية أن جوهر المشكلة في موالاة النخبة الجديدة في سورية أو معارضتها، بل في حالة التخوين السائدة من كل طرف لآخر من جهة، وفي نبذ الحوار من جهة آخرى. فموالاة النخبة الحالية قد تكون، في بعض حالاتها، راديكالية كمعارضتها. أي موالاة ترفض الحياة السياسية تحت أي ذريعة هي موالاة راديكالية، وأي معارضة ترفض الحوار مع النظام الحاكم هي معارضة راديكالية.
ثالثاً، لا تطرح الوسطية نفسها بوصفها وسط التيار السياسي، بل منهجاً يسعى إلى إنتاج طيف سياسي، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، بما يعنيه هذا من وجود طيف للوسط نفسه. يعني هذا أن الوسطية تسعى إلى ملء الفراغ القائم في منتصف الطيف السياسي مشجعة التيارات السياسية المختلفة على الحوار، وعلى التقارب، من دون إلغاء الحاجة إلى التنافس الصحي. ليست الوسطية تياراً سياسياً بل هي منهج عام قد تتسم به جميع الأطراف في الحالات الديمقراطية والمستقرّة. بكلام آخر، لا تعني الوسطية موقفاً بين طرفين، بل هي في جوهرها بناء الدولة. بهذا المعنى، الوسطية عملية مستمرة لإعادة بناء المركز السياسي والاجتماعي للدولة. ففي المجتمعات الخارجة من النزاعات، لا تكمن المشكلة الأساسية في وجود أطراف متعارضة، وإنما في انهيار المركز الذي يسمح لهذه الأطراف بالتنافس دون أن تتحول إلى أعداء وجوديين. ومع تآكل هذا المركز، تنجذب الجماعات والأفراد نحو الأطراف الأكثر راديكالية، فتتحول الهوية السياسية إلى هوية مغلقة، ويصبح الانتصار الكامل على الخصم بديلاً عن التنافس السياسي الطبيعي. ومن هنا، تؤدي الوسطية وظيفة معاكسة، فهي لا تسعى إلى تقليص التعدّدية، وإنما إلى إعادة بناء مركز جاذب يستقطب الأفراد والجماعات بعيداً عن هوامش التطرّف، ويوفر لهم مساحة مشتركة يمكن فيها إدارة الخلافات دون أن تتحول إلى صراعات تهدد بقاء الدولة نفسها.
رابعاً، تنطلق الوسطية من وجهة نظر الواقعية السياسية تجاه الأحداث، والتدرّج في التغيير بدل حالات التغيير الراديكالية التي ينتجها الاستقطاب ويتغذى عليها في آن. بكلام آخر، تسعى الوسطية إلى إيجاد حلول تتناسب مع الواقع، دون الوقوع في فخ الاستسلام لهذا الواقع، وبشكل لا يسمح لهذا الواقع أن يفرض حلولاً لا تنسجم مع توازن القوى على الأرض من ناحية، ولا أن تتخلى عن مبادئ التشميل، والتشاركية والمواطنة والديمقراطية من جهة أخرى.
في نهاية المطاف، لا يمكن للوسطية أن تنجح إذا تحولت إلى موقف رمادي يفتقر إلى الوضوح، أو إلى صمت إزاء الأحداث الكبرى، أو إلى خطابات مثالية لا تقدم حلولاً واقعية للتحديات التي تواجه المجتمع. فالوسطية ليست تردداً في اتخاذ المواقف، ولا امتناعاً عن تسمية الخطأ أو الدفاع عن الصواب، كما أنها لا تقوم على المساواة الأخلاقية بين جميع المواقف أو الانتهاكات. إنها موقف واضح، يطالب بالعدالة والمحاسبة ويحدد المنتهك، لكنه يختلف عن المواقف الراديكالية في أنه يرفض تحويل الخلاف إلى عداء، والسياسة إلى معركة وجودية، والمحاسبة إلى انتقام وإلغاء وعدمية!
وبالمثل، لا ينبغي أن تتحوّل الوسطية إلى انتهازية سياسية أو إلى محاولة دائمة لإرضاء جميع الأطراف في الوقت نفسه. فالوسطية ليست لعبة توازن بين القوى المتنافسة، ولا سعياً إلى كسب ود هذا الطرف أو ذاك، وإنما هي براغماتية من نوع مختلف؛ براغماتية تبحث عن المشتركات التي تسمح للمختلفين بالعيش والعمل معاً، من دون أن تطلب منهم التخلي عن قناعاتهم أو هوياتهم. فهي لا تساوم على المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدولة، لكنها تدرك أن إدارة الاختلاف أهم من القضاء عليه، وأن بناء التوافقات أكثر استدامة من فرض الغلبة.
ليست المشكلة في سورية أن الموالاة والمعارضة، أو اليمين واليسار، متباعدون، فالتباين السياسي سمة طبيعية في كل مجتمع حي. المشكلة الحقيقية هي أن المساحة المشتركة التي كانت تربط بينهم قد انهارت، وأن المركز السياسي والاجتماعي الذي يسمح بإدارة هذا التباين تآكل بفعل سنوات الحرب والاستقطاب. ومن هنا، فإن واحدة من أهم مهام القوى السياسية والمدنية هي إعادة بناء هذا المركز، ليصبح مرة أخرى فضاءً يلتقي فيه المختلفون ويتنافسون وفق قواعد مشتركة، بدلاً من أن يتقاتلوا باعتبار بعضهم بعضاً أعداء وجوديين.
نُشر في العربي الجديد 21-7-2026






