منذ سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، أصبح الحديث عن العدالة الانتقالية جزءاً أساسياً من النقاش السوري بشأن مستقبل البلاد والسلام فيها. وفي كل مرة تظهر أسئلة من قبيل: من سيحاسب ومتى تبدأ المحاسبة؟ متى ستحدث المصالحة ومن هم أطرافها وكيف؟ متى نكتب سرديتنا؟ كيف؟ ومن يكتبها؟ ما هو التعويض وما هو جبر الضرر المستحق ومن يستحقه وعن أي زمن نتحدث ولماذا؟ أين هم المفقودون؟ كم عددهم وكيف نجدهم؟ وعن أي مفقودين نتحدث؟ ولا تنتهي الأسئلة هنا، بل يتلوها سؤال ربما كان هو السؤال الأهم الذي يتبادر إلى أذهان عديدين من السوريين والسوريات: لماذا تأخرت العدالة الانتقالية؟ غير أننا ربما لا نجد كثيراً من يقول: هل فعلًا تأخرت العدالة الانتقالية في سورية؟
غالباً ما تأتينا الإجابة بالإيجاب. فبعد أكثر من عقد ونصف العقد، لا تزال عشرات آلاف العائلات تبحث عن مصير مفقوديها، ولا تزال آثار الاعتقال والتعذيب والتهجير والخطف والإخفاء القسري ومصادرة الممتلكات حاضرة في حياة ملايين السوريين في كل شبر من البلاد. ومن الطبيعي في ظل هذا الواقع أن يشعر كثيرون بأن العدالة الانتقالية تأخرت بالفعل، وأن حقوقها غائبة ومفقوديها منسيون!
غير أن هذا السؤال يخفي وراء بساطته مشكلة أعمق. فهو يفترض أن العدالة الانتقالية عملية واحدة ذات نقطة بداية واضحة يمكن قياسها والحكم عليها بالتقدم أو التأخر، أو أنها تسير بشكل منطقي. الأمر أعقد بكثير، والتجارب الدولية تظهر أن العدالة الانتقالية ليست إجراءً واحداً، ولا حدثاً واحداً، ولا ترتبط بطرف واحد دولي أو إقليمي أو محلي، ولا تنفذها هيئة أو مؤسسة واحدة، بل ولا يحكمها حتى قانون واحد! العدالة الانتقالية أعقد من ذلك بكثير، بل مجموعة من المسارات المتوازية التي تشمل جمع الأدلة، وتوثيق الانتهاكات، وإنشاء المؤسسات، وسن القوانين، والمحاسبة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسّسي، وحفظ الذاكرة، والمصالحة المجتمعية، وقد تبدأ هذه المسارات في أوقات مختلفة وتسير بسرعات متفاوتة. لذلك، ربما كان السؤال الأصح ليس ما إذا كانت العدالة الانتقالية في سورية قد تأخرت، بل ما الذي تأخر فيها فعلاً وما الذي بدأ قبل أوانه؟ وقبل هذا وذاك؟ كيف نقيم؟
كي يسهل علينا تحديد المعايير يمكن لقانون العدالة ولحظة بدء تطبيقه أن يكونا نقطة انطلاق معيارية تحدد في ما لو تأخر القانون أم لا. كما يمكن الاستناد إلى القضايا الأساسية المرتبطة بهذا المفهوم، مثل إحداث المؤسسة أو المؤسسات المعنية بالعدالة الانتقالية، بدء جمع الأدلة والتوثيق، مؤشرات أخرى مساندة تساعد في تحديد مدى تأخر هذا الملف من عدمه.
على سبيل المثال، والأرجنتين تحديدا، انتهى الحكم العسكري في ديسمبر/ كانون الأول 1983، وبعد أيام قليلة فقط أُنشئت اللجنة الوطنية حول اختفاء الأشخاص، وبدأ جمع الشهادات والأدلة بشكل رسمي، ثم انطلقت محاكمة قادة المجلس العسكري عام 1985، أي بعد حوالي عام ونصف العام. وربما كان من المفيد معرفة أن تقرير لجنة المفقودين في الأرجنتين كان القضية الأهم في المحاكمات التي جرت، علماً أنه وثق حوالي تسعة آلاف مفقود، خلافاً لتقارير حقوقية ترى أن الرقم الصحيح يصل إلى 30 ألفاً. أما في جنوب أفريقيا فقد بدأت عملية الانتقال السياسي مع إطلاق سراح نيلسون مانديلا عام 1990، لكن لجنة الحقيقة والمصالحة لم تُنشأ إلا في 1995، وبدأت جلساتها العلنية في العام التالي. في المغرب، مرّ نحو خمس سنوات بين انتقال العهد عام 1999 وإنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة عام 2004. وفي تونس، أقر القانون في نهاية العام 2013 أي بعد حوالي ثلاث سنوات من إطاحة نظام بن علي، ولا حاجة للقول إن لا قانونَ أقر في لبنان، وإن تجربة العراق، والتي حاولت الإسراع في كل شيء أفضت إلى نزاع كبير استمر لسنوات طويلة لم تنته آثاره بعد!
ورغم اختلاف هذه التجارب، فإن معظم التجارب “الناجحة” منها اتبع تسلسلاً عاماً يبدأ بحدوث تحول سياسي أو نهاية للنزاع، ثم إنشاء إطار قانوني، ثم تأسيس المؤسسات، ثم تنفيذ برامج العدالة الانتقالية المختلفة، لكن الحالة السورية تبدو مختلفة إلى حد بعيد.
ففي سورية بدأ توثيق الانتهاكات منذ الأشهر الأولى للثورة عام 2011. وسرعان ما نشأت شبكات واسعة من الناشطين والمنظمات المحلية والدولية التي عملت على جمع الأدلة، والشهادات، والصور، والوثائق، والفيديوهات. وخلال سنوات النزاع تطورت هذه الجهود بصورة غير مسبوقة، حتى أصبحت سورية واحدة من أكثر بؤر النزاعات المعاصرة توثيقاً.
ولم يقتصر الأمر على جمع الأدلة. فقد ظهرت أيضاً أشكال من المساءلة قبل انتهاء النزاع نفسه. ففي عام 2020 بدأ ما يعرف بمحاكمات كوبلنز في ألمانيا، والتي شكلت أول محاكمة في العالم لمسؤولين سابقين في أجهزة الأمن السورية استناداً إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية. كما شهدت السنوات اللاحقة قضايا المشابهة في دول أوروبية أخرى، كان جديدها أخيراً الحكم في منتصف الشهر الماضي (يونيو/ حزيران). وفي 2023 أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سورية، في خطوة غير مسبوقة بالنسبة لنزاع لا يزال قائماً آنذاك. من هنا، وبالنظر إلى هذه الوقائع، يصعب القول إن العدالة الانتقالية السورية تأخرت في جانب التوثيق أو جمع الأدلة أو حتى في بعض جوانب المساءلة. بل بدأت هذه المحدّدات أبكر مما حدث في تجارب كثيرة مقارنة، والتي بدأت العملية فيها بعد انتهاء النزاع أو سقوط النظام.
من جهة أخرى، أُحدثت بموجب المرسومين 19 و20 من العام 2025، مؤسّستان معنيتان بالعدالة الانتقالية هما الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والهيئة الوطنية للمفقودين في مايو/ أيار2025، أي بعد نحو ستة أشهر من سقوط النظام، مما يجعل التجربة السورية من التجارب السريعة نسبياً من حيث إنشاء البنية المؤسسية للعدالة الانتقالية، يمكن مقارنتها بالأرجنتين التي سارعت إلى إنشاء اللجنة الوطنية حول اختفاء الأشخاص (CONADEP) في 15 ديسمبر 1983، بعد خمسة أيام فقط من انتهاء الحكم العسكري. على النقيض من ذلك، احتاجت جنوب أفريقيا إلى نحو عام بعد الانتخابات الديمقراطية لعام 1994 – أي بعد أربع سنوات من إطلاق سراح مانديلا وبعد عام من وضع الدستور المؤقت- قبل إنشاء لجنة الحقيقة والمصالحة بموجب قانون صدر في يوليو/ تموز 1995، والتي لم تبدأ أعمالها العلنية إلا في 1996. في حين استغرق المغرب قرابة الخمس سنوات بين تولي الملك محمد السادس الحكم في يوليو/ تموز 1999 وإنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة في كانون الثاني/يناير 2004. وبالتالي، لا تدعم المقارنة الزمنية القول إن سورية تأخرت في إنشاء المؤسّسات المعنية بالعدالة الانتقالية، بل تفيد بأن هذا الجانب تحديداً تطور بوتيرة أسرع من بعض التجارب المقارنة وأكثر بطئاً من تجارب أخرى.
لا يتوقف الأمر عند هذا، فعملية تأسيس هيئة العدالة الانتقالية وهيئة المفقودين معقدة، تعني في جوهرها إنشاء ما يشبه الوزارة، بمهام جديدة، وكوادر غير مدربة حتى الآن، ناهيك عن مئات السياسات والأنظمة والإجراءات التي تتطلب توثيقاً معقداً ينسجم وحساسية الملفات التي يعالجها. أضف إلى هذا أن عمل مثل هذه الهيئات يتطلب عملية توفيق وتنظيم مع باقي الوزارات كوزارة العدل والداخلية والدفاع للمضي في عمليات المساءلة والمحاسبة، إضافة وزارات الإعلام والثقافة والتربية والتعليم وغيرها لتوثيق الروايات وبناء السردية الجامعة، وغيرها من الهيئات والوزارات التي تحتاجها لتوثيق الضحايا كوزارة إدارة الكوارث ووزارة الصحة.
هل هذا يعني أننا لم نتأخر، ويمكننا أن نتكئ على كل ما سبق لنمضي متمهلين في مثل هذا المسار؟ بالطبع لا! فالتوترات الاجتماعية والسياسية التي حدثت خلال الشهور الـ 18 السابقة، وما جرى خلال الشهر الماضي (يونيو/ حزيران) من احتجاجات، على محدوديتها، يقول إننا بحاجة ماسة إلى الإسراع في إطلاق ملف العدالة الانتقالية وإقرار قانونها، وجميع القوانين التي يحتاجها مثل هذا المسار، ليكون أول قانون يقر في المجلس. غليان الناس، وغضبها، يجعلان استقرار الدولة في مهب الريح.
لقد نجح السوريون والسوريات خلال سنوات النزاع في توثيق قدر هائل من الانتهاكات. وتمكنت منظمات حقوقية وآليات دولية ومحاكم أجنبية من جمع كم كبير من الأدلة والشهادات. لكن امتلاك الأدلة لا يعني بالضرورة تحقيق العدالة. فالعدالة الانتقالية لا تكتمل بمجرد جمع الملفات أو إصدار الأحكام القضائية، بل تحتاج أيضاً، وربما قبل كل شيء، إلى اعتراف جماعي بما حدث وإلى إدماج معاناة الضحايا في الذاكرة الوطنية المشتركة. فأهمية ملايين الوثائق التي جمعت خلال سني الثورة، لا تكمن في كمية المعلومات التي تحتويها فقط، بل بقرتها على تحويل هذه الوثائق إلى سردية تساعد على تحقيق اعتراف وطني عام بمعاناة الضحايا، ووعدًا بعدم عودة الانتهاكات. في سورية، ما تزال هذه العملية في بداياتها، وما يزال المجتمع يبحث عن إطار جامع يمكن من خلاله الاعتراف بالضحايا على اختلاف انتماءاتهم وتجاربهم، وتحويل معاناتهم من قصص فردية متفرّقة إلى جزء من الذاكرة الوطنية العامة.
هل ثمة ما تأخر؟ نعم! بالتأكيد! ما تأخر هو مصارحة الناس بتعقيد هذا المسار، ومصارحتهم بأن العدالة الانتقالية ليست نصب مشانق، ولا عفوًا عامًا، وليست محاسبة وحسب، وبأننا سنحتاج سنوات طويلة كي نكتب سرديتنا الجامعة، وبأن السؤال الأكثر أهمية ربما اليوم هو ليست متى بدأت العدالة الانتقالية في سوريا، بل كيف يمكن تحويل الجهود المتفرقة التي تراكمت خلال سنوات الحرب إلى مشروع وطني متكامل للسلام، فالتحدّي الحقيقي لا يكمن في تحديد موعد البداية، وإنما في استكمال المسار. وما يحتاجه السوريون اليوم ليس مزيداً من الأدلة على ما حدث، بل إطاراً وطنياً قادراً على تحويل الحقيقة إلى اعتراف، والاعتراف إلى إنصاف، والإنصاف إلى ضمانة حقيقية لعدم تكرار المأساة.
نُشر في موقع العربي الجديد






