مع انفتاح النقاش السوري على أسئلة تمتزج فيها مرحلة ما بعد سقوط النظام بمرحلة العبور إلى سورية الجديدة، تمتزج آلام الماضي بآمال المستقبل، وتعود العدالة الانتقالية إلى مركز الاهتمام بوصفها شرطاً ضرورياً لعبور المرحلة المقبلة، غير أنّ هذا النقاش، على اتّساعه، ما يزال أسير مقاربة تقوم على توزيع المسؤوليات بين “جميع الأطراف”، أكثر مما ينشغل بمصائر مَن تضرّروا فعلياً من سنوات الحرب. وبينما تبدو الدعوة إلى شمولية المحاسبة مطلباً مشروعاً، فإنها تخفي إشكاليات عميقة تتصل بطبيعة العدالة نفسها وغاياتها. من هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في نقطة الانطلاق: هل العدالة إطار لتنظيم التوازنات بين أطراف متنازعة، أم مسار لإنصاف الضحايا واستعادة كرامتهم؟ هذا السؤال يشكل المدخل الأساسي لفهم معضلة العدالة الانتقالية في سورية اليوم.
مع سقوط نظام الأسد وبدء الحديث الجدي عن مستقبل سورية، عادت العدالة الانتقالية إلى واجهة النقاش السياسي والحقوقي بوصفها أحد أهم الاستحقاقات التي تواجه المرحلة المقبلة… ومع ما جرى في الساحل والسويداء في مارس/ آذار ويوليو/ تموز 2026 صار نقاش العدالة الانتقالية أكثر إلحاحاً، فاتحاً أسئلته الصعبة: من يجب أن يحاسب؟ ما هي مستوى الانتهاكات التي يجب محاسبة مرتكبيها؟ متى تبدأ عملية المحاسبة؟ وما هي الحقبة التي تغطيها؟ من سيعوض؟ ومتى؟ وكيف؟ وما هي الموارد التي يمكن استخدامها كي نعوض الضحايا؟ من يبني السردية؟ كيف تبنى؟ كيف نضمن المحاسبة من دون أن نؤذي السلام؟ كيف نوصف ما جرى؟ من يبني السردية؟ من انتصر؟ هل هو الشعب أم فئة أم فصيل أم فصائل؟ وهذه جميعها أسئلة في غاية الأهمية بطبيعة الحال، لكنّني أزعم أن سؤالاً مهماً آخر يجب أن يعلو جميع الأسئلة: من هي الضحية؟ أليس من الأجدى الحديث عن الضحية أكثر من الجاني؟ لماذا يركز كثر منا على الجناة بدل الضحايا؟ أزعم أنّ الحديث عن الضحايا لا يخرجنا من مأزق تجاذب “أطراف بمقابل جميع الأطراف” وحسب، بل هو قضية أخلاقية في المقام الأول، فمن حق الضحايا، كلّ الضحايا، أن يكونوا غاية العدالة، وجوهرها، بعيداً عن السياسة وتجاذباتها.
في واقع الأمر، برز خلال السنوات الماضية شعار “محاسبة جميع الأطراف”، باعتباره تعبيراً عن الرغبة في تجنّب الانتقائية والانتقامية والاعتراف بأن الانتهاكات لم تكن حكراً على جهة واحدة، كما هو الحال في جميع ثورات التاريخ وحروبه… فمن النافل القول إنه لا يوجد حرب فيها طرف لم يرتكب انتهاكاً واحداً، غير أن هذا الشعار، على أهميته، يطرح إشكالية عميقة قد تتحول إلى أحد أكبر التحديات التي تواجه العدالة الانتقالية في سورية.
من ناحية أولى، واحدة من أهم مشكلات العدالة الانتقالية قضية “عدالة المنتصر”. عملياً، وطالما انتهى الصراع من دون اتفاق سياسي، وبانتصار طرف أو أطراف، فإنّ قضية “جميع الأطراف” تواجه استعصاء يكاد يكون مستحيلاً. ففي أول تجربة عدالة انتقالية بعد الحرب العالمية الثانية، لم تحاسب الولايات المتحدة المنتصرة على قنبلتها النووية، ولم تحاسب ذات الدولة بعد كل ما جرى في العراق. وفي لبنان، لم يحاسب أحد من المنتصرين، باستثناء سمير جعجع والقوات اللبنانية، في محاكمة أثارت جدلاً أكثر مما قدمت مثالاً. وفي رواندا، المثال الشهير عن تجربة العدالة الانتقالية، كانت جبهة رواندا الشعبية، المنتصرة آنذاك، هي من يحاكم الطرف الخاسر في واقع الأمر. بالطبع، هناك تجربة جنوب أفريقيا، لكنها لم تنشأ بسبب انتصار طرف على آخر، بل بعد اتفاق سياسي بين الحزب الوطني، والمؤتمر الوطني الأفريقي، وحزب الحرية إنكاثا.
من ناحية أخرى، وبينما نشأ مفهوم “جميع الأطراف” بهدف منع احتكار الضحية أو احتكار الحقيقة وتحقيق العدالة، تحول تدريجياً إلى إطار يُنظر من خلاله إلى العدالة نفسها. وأصبح النقاش يدور حول الجناة أكثر مما يدور حول الضحايا، وحول توزيع المسؤوليات بين الأطراف المختلفة أكثر مما يدور حول كيفية إنصاف المتضرّرين من الحرب. وهكذا انتقلت العدالة من كونها عملية تهدف إلى استعادة الكرامة الإنسانية إلى ساحة جديدة للتنافس بين الروايات السياسية، وبدل نقاش الحقوق يطغى جدل السياسة.
من ناحية ثالثة، يبدو نقاش العدالة الانتقالية، وتحديداً عند التركيز على الجناة، منحصراً بمحاسبة الجناة، في حين أن مسائل أخرى كالتعويض وجبر الضرر، وتخليد الذكرى، ومنع التكرار، والإصلاح المؤسّسي، تصبح ثانوية، وهي، في غالبها، ما يجبر آلام الضحايا، ويفتح أمامهم باب المستقبل والعيش الكريم، ناهيك عن دورها في حفظ السلم الأهلي وضمان الاستقرار.
في جوهرها، لا تهدف العدالة الانتقالية إلى إدارة العلاقة بين الأطراف المتصارعة، حتى وإن فعلت ذلك من باب البراغماتية السياسية، وإنما تهدف إلى معالجة آثار الانتهاكات التي تعرض لها الأفراد والمجتمعات على السواء. ولذلك، السؤال الأهم الذي ينبغي أن يواجهنا اليوم ربما ليس ما إذا كانت العدالة ستشمل جميع الأطراف، بل ما إذا كانت ستصل إلى جميع الضحايا.
تكمن المشكلة في أن التركيز على الأطراف يجعل العدالة رهينة للتوازنات السياسية، فكل طرف يسعى إلى إبراز جرائم خصومه والتقليل من مسؤولياته، وكل سردية تحاول إثبات أنها الأكثر تعرضاً للظلم أو الأكثر استحقاقاً للإنصاف. وهنا لا تعود العدالة إنصافاً للضحايا ولا إحقاقاً للحقوق بقدر ما تصبح امتداداً للصراع بحدث ذاته، بل وحتى تعميقه وفتح جراحات جديدة وربما إعادة تفجير صراعات كبرى، كما أنّ التركيز على مقارنة الانتهاكات أو ترتيبها أو توزيعها بين الجهات المختلفة يقود، في أحيانٍ كثيرة، إلى إهمال الاحتياجات الفعلية للضحايا أنفسهم. نظرة واحدة إلى وسائل التواصل الاجتماعي السورية تظهر بشكل واضح أن الحوار لا يتركز على التعالي على جراح الماضي وإنما على نكء جراح جديدة لا مكان فيها للضحايا بقدر الجناة.
وتزداد هذه المعضلة تعقيداً في الحالة السورية بسبب طبيعة النزاع وتعدد الفاعلين المشاركين فيه، وهؤلاء لم يكونوا فقط سوريين، بل دخلت فيه أطراف إقليمية ودولية عديدة، تجعل عملية المحاسبة وتحديد الأطراف عملية محفوفة بألغام لا تقوى البلاد على حملها. فقد شهدت البلاد انتهاكات ارتكبتها جهات متعدّدة، كما تعرض عدد كبير من السوريين والسوريات لأشكال مختلفة من العنف على يد أكثر من طرف خلال سنوات الحرب. نعم بالتأكيد يتحمل النظام البائد جل هذه الجرائم، غير أن جميع الأطراف، محلية ودولية، ساهمت بانتهاكات واسعة بطبيعة الحال. ليس هذا وحسب، إذ لا يمكن وضع الضحية السورية دائماً داخل معسكر سياسي أو عسكري واضح، بل إنّ ضحايا كثيرين تنقلوا بين مناطق النفوذ المختلفة وتعرّضوا لانتهاكات متعاقبة من جهات متعددة، يكفي أن ننظر إلى محافظتَي الرقة ودير الزور لنرى أن أطرافاً عديدة للغاية ارتكبت ما ارتكبت بحق أهلها، ابتداء بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والنظام البائد وليس انتهاء بقوات التحالف. عليه؛ فإن اختزال الضحايا ضمن الانقسامات السياسية التي أنتجتها الحرب لا يؤدي إلّا إلى تشويه واقعهم وتجاربهم الفعلية.
من هنا تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة تعريف نقطة الانطلاق في العدالة الانتقالية السورية. فباعتقادنا أنه بدلاً من البدء بسؤال المسؤولية السياسية للأطراف المختلفة، ينبغي البدء بسؤال حقوق الضحايا واحتياجاتهم، لا بسؤال المحاسبة ونصب المشانق كما يراها بعضهم، ولا العفو العام كما يراها آخرون. لا يعني تجاهل المحاسبة أو التقليل من أهميتها، بل يعني وضعها ضمن إطار أوسع يهدف إلى الاعتراف وجبر الضرر وضمان عدم التكرار.
اقرأ أيضاً: المواطَنة أولاً.. كيف يصوغ الدستور السوري هوية وطنية جامعة بدل الصراع؟
تقدم التجارب الدولية دروساً مهمة في هذا المجال. ففي جنوب أفريقيا، ورغم الانقسام العميق الذي خلفه نظام الفصل العنصري، لم يكن الهدف الأساسي للجنة الحقيقة والمصالحة إدارة التوازنات بين البيض والسود، ولا محاسبة جميع الأطراف، وجميعها ارتكب انتهاكات، بقدر ما كان منح الضحايا مساحة للاعتراف بمعاناتهم وسرد تجاربهم أمام المجتمع. وقد ساعد ذلك في تحويل النقاش من صراع بين هويات متنافسة إلى عملية وطنية للبحث عن الحقيقة والاعتراف بالضرر. في كولومبيا، وفي الأرجنتين إلى حد ما، والتي تتشابه في أكثر من وجه مع الحالة السورية بسبب تعدد الفاعلين المسلحين وتشابك الانتهاكات، جرى تصميم منظومة العدالة الانتقالية حول مفهوم الضحايا أنفسهم. فقد أدركت الأطراف المختلفة أن محاولة بناء العدالة انطلاقاً من تحديد الجناة وتوزيع المسؤوليات السياسية ستقود إلى طريق مسدود، وأن المدخل الأكثر واقعية واستدامة هو الاعتراف بحقوق الضحايا بغض النظر عن الجهة التي تسبّبت بمعاناتهم. لا يعني هذا أن التجربة لم تعانِ من نقاط ضعف مؤثرة، وخصوصاً لدى قطاع مهم من المجتمع والذي اعتبر العقوبات البديلة للمتمردين نوعاً من الإفلات من العقاب على حساب العدالة الجنائية، ناهيك عن البطء الشديد في مسار المحاكمات وتقديم التعويضات، إلّا أنها اعتبرت أقل كلفة من إجراءات أخرى تهدد استدامة السلام.
في المقابل، تقدم تجارب دول الجوار سواء اللبنانية أو العراقية نموذجاً لما يمكن أن يحدث للعدالة الانتقالية عندما تصبح الأطراف محور العملية الانتقالية. ففي العراق أصبحت العدالة الانتقالية أداة انتقامية ليس من طرف سياسي بعينه فحسب، بل ومن طرف اجتماعي لتنزلق البلاد في حرب أهلية عنيفة استمرت سنوات عديدة ولم تتوقف نتائجها. أما لبنان، وبعد انتهاء الحرب الأهلية جرى التركيز على التسويات السياسية بين القوى المتحاربة أكثر من التركيز على الضحايا. وجرى إقرار العفو العام من دون معالجة حقيقية لقضايا المفقودين أو كشف الحقيقة أو توفير أشكال مناسبة من الإنصاف. وبعد عقود من انتهاء الحرب، ما تزال ملفات الذاكرة والضحايا والعدالة حاضرة بقوة في المجتمع اللبناني.
بالنسبة إلى سورية، لا يتعلق الأمر بالاختيار بين محاسبة الأطراف أو إنصاف الضحايا، بل بإعادة ترتيب الأولويات. فإذا أصبحت العدالة الانتقالية متمحورة حول الضحايا، فإنّ ملفات مثل المفقودين والمختفين قسراً ستتحول إلى أولوية وطنية عاجلة. وبدل السجالات حول من هو الطرف المنتهك ومتى جرى الانتهاك وكيف سيصبح حق العائلات في معرفة مصير أبنائها جزءاً أساسياً من عملية العدالة. وبدل التفكير بالمشانق أو العفو العام سيصبح التفكير بحقوق السكن والملكية والتعويض وتخليد الذكرى والإصلاح المؤسّسي إلى قضية عدالة انتقالية بامتياز، لا قضايا جنائية أو اقتصادية أو إدارية، وبما يضمن إعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة.
التحدي الحقيقي الذي يواجه العدالة الانتقالية في سورية لا يتمثل في إثبات أن جميع الأطراف ارتكبت انتهاكات، فهذه حقيقة موثقة على نطاق واسع. التحدي الحقيقي يتمثل في بناء إطار وطني قادر على الاعتراف بأن جميع الضحايا يستحقون الحقيقة والإنصاف والكرامة، بغض النظر عن هوية الجاني أو موقعه السياسي أو العسكري. فحين تصبح الأطراف هي نقطة البداية، تتحول العدالة إلى ساحة جديدة للصراع، أما حين يصبح الضحايا هم نقطة البداية، فإنّ العدالة تتحول إلى فرصة لإعادة بناء العقد الاجتماعي وترميم الثقة وإرساء أسس سلام أكثر استدامة.
عندما سُئلت سيدة من الغوطة استشهد ابنها وخسر الآخر ساقيه وفقدت ابنتها زوجها في سجن صيدنايا، ما التعويض الذي تريدين أجابت: أريد أن أحج إلى بيت الله الحرام، فهل تساعدني الدولة على ذلك؟ لم تتحدث هذه السيدة عن المشانق، بل عن أداء فريضة الحج، وربما عن رغبتها في الدعاء لأبنائها الشهداء والأحياء في الحرم الشريف، فهل نستمع للضحايا؟
نُشرت في موقع العربي الجديد 16-6-2026






