زيدون الزعبي: المركزية كانت أداة للاستبداد في سوريا واللامركزية شرط لإعادة بناء الدولة
في هذه المحاضرة، يقدم الباحث والخبير في الحوكمة زيدون الزعبي قراءة تفصيلية للعلاقة بين اللامركزية والديمقراطية في الحالة السورية، موضحا أن المركزية لم تكن مجرد خيار إداري في سوريا، بل كانت إحدى الأدوات الأساسية التي اعتمد عليها النظام لتركيز السلطة، وضبط المجتمع، وإعادة توزيع الموارد بطريقة تخدم الهيمنة السياسية والأمنية. وينطلق الزعبي من أرقام ومؤشرات مرتبطة بموازنة عام 2010 ليبين كيف كانت الدولة السورية تدار فعليا من المركز، وكيف كانت الوزارات المركزية تتحكم بمعظم الإنفاق على الخدمات في المحافظات، فيما تُرك هامش ضيق جدا للمحليات، الأمر الذي جعل الإدارة المحلية شكلية وعاجزة عن اتخاذ قرارات حقيقية.
ويشرح أن موازنة سوريا قبل 2011 كانت تعكس هذا الخلل بوضوح، إذ إن القسم الأكبر من الإنفاق على التعليم والصحة والمياه والخدمات في المحافظات كان يمر عبر الوزارات في دمشق، بينما لم يكن للمجالس المحلية إلا دور محدود للغاية. كما يشير إلى تفاوت صارخ في حصة الفرد من الإنفاق العام بين المحافظات، حيث حظيت دمشق وطرطوس واللاذقية بحصص مرتفعة مقارنة بمحافظات مثل درعا وإدلب، وهو ما لم يكن، برأيه، مسألة تنموية عفوية، بل جزءا من سياسة هدفت إلى جذب السكان نحو المراكز الكبرى، وتكثيف السيطرة الأمنية عليهم، بحيث يصبح ضبط المجتمع أقل كلفة وأكثر فاعلية.
المركزية كأداة للسيطرة لا للإدارة
يرى الزعبي أن أحد أخطر آثار المركزية في سوريا هو أنها ساهمت في خلق اختلالات تنموية واجتماعية عميقة بين المحافظات، وربطت الخدمات والموارد والقرارات كلها بالعاصمة. وهذا، بحسب طرحه، لم يكن مجرد خلل بيروقراطي، بل كان جزءا من بنية الاستبداد نفسها. فحين تتكدس الموارد والسكان والقرار في مدن محددة، يصبح من الأسهل على السلطة أن تراقب وتسيطر وتقمع، بينما تبقى الأطراف مهمشة ومحرومة وضعيفة التمثيل.
اللامركزية ليست انفصالا
يتوقف الزعبي عند الخلط الشائع في سوريا بين اللامركزية والانفصال، ويشدد على أن اللامركزية السياسية لا تعني تفكيك الدولة، بل تعني تمكين الوحدات المحلية من إدارة شؤونها اليومية، عبر انتخاب ممثليها، ومنحها صلاحيات واضحة، وتوفير الموارد اللازمة لها. وهو يميز بين “نقل السلطة” إلى الأطراف، وبين مجرد “تفويضها”، معتبرا أن النص على التفويض فقط يفتح الباب أمام المركز لسحب الصلاحيات متى شاء، كما حدث في تجارب عربية أخرى، بينما يشكل النقل الفعلي للسلطات أساسا أكثر ثباتا لأي إصلاح دستوري وإداري جاد.
دروس من المغرب وتونس والعراق ومصر
يعرض الزعبي نماذج مقارنة من الدساتير العربية، خصوصا في المغرب وتونس والعراق ومصر، موضحا أن التجربتين المغربية والتونسية تقدمان أمثلة أكثر توازنا في التعامل مع اللامركزية، لأنهما ركزتا على المضمون دون الغرق في المصطلحات. ففي المغرب، مثلا، جرى تمثيل الجماعات المحلية في الغرفة الثانية من البرلمان، بما يتيح إشراك الأطراف في صناعة القرار الوطني دون الذهاب بالضرورة إلى الفدرالية. أما في تونس، فقد نُص على نقل السلطات والموارد إلى المستوى المحلي، مع الإقرار بأن تنفيذ ذلك فعليا يحتاج سنوات طويلة، بسبب مقاومة البيروقراطية المركزية.
في المقابل، يشير إلى أن النصوص الدستورية في العراق ومصر استخدمت أحيانا عبارات فضفاضة سمحت للمركز بالالتفاف على اللامركزية لاحقا، سواء عبر الإبقاء على سلطة التعيين أو عبر استعادة الصلاحيات الممنوحة للمحافظات. ومن هنا يحذر من أن أي نص دستوري سوري يجب أن يكون دقيقا وحاسما في مسألة نقل الصلاحيات، لا أن يكتفي بصيغ عامة يسهل إفراغها من مضمونها.
البرلمان بغرفتين كمدخل للتوازن
يدافع الزعبي عن فكرة البرلمان بغرفتين، ويرى فيها إحدى الأدوات المهمة لتحقيق توازن بين المركز والأطراف. فالغرفة الثانية، كما يشرح، لا تعني بالضرورة الفدرالية، بل يمكن أن تكون وسيلة لتمثيل الجماعات المحلية والمناطق في القرار الوطني، بما يخفف احتكار العاصمة للسياسة ويخلق شراكة أوسع في الدولة. ويعتبر أن هذه الصيغة يمكن أن تكون مناسبة لسوريا تحديدا، لأنها تمنح المحليات صوتا داخل المركز، وتحمي التنوع الجغرافي والسياسي والاجتماعي.
لماذا فشلت الدساتير السورية في بناء إدارة محلية حقيقية؟
يؤكد الزعبي أن الدساتير السورية المتعاقبة، ولا سيما دستور 1973 ودستور 2012، لم تؤسس فعليا للامركزية، بل أبقت الإدارة المحلية ضمن إطار شكلي يخضع في النهاية لإرادة السلطة المركزية. فالمجالس المحلية كانت توصف بأنها منتخبة، لكن القانون بقي هو من يحدد كيف تُشكّل، وما هي صلاحياتها، ومن يراقبها، بما يضمن بقاء القرار الفعلي في يد المركز. ويرى أن أي حديث عن إصلاح سياسي في سوريا سيبقى ناقصا ما لم يمس هذه البنية المركزية بعمق.
اللجنة الدستورية: شرعية دولية بلا مشروعية شعبية
في الجزء الأخير من المحاضرة، ينتقل الزعبي إلى اللجنة الدستورية السورية، ويصفها بأنها أول لجنة تملك “سلطة أصلية” نسبيا، بمعنى أنها لا تستمد شرعيتها من مرسوم رئاسي سوري كما حدث في الدساتير السابقة، بل من توافق دولي أتاح لها أن تكون إطارا سياسيا جديدا. لكنه يفرق هنا بين الشرعية الدولية والمشروعية الشعبية، مشيرا إلى أن اللجنة لا تملك مشروعية حقيقية واسعة داخل المجتمع السوري، رغم أنها تبقى، في نظره، الأكثر تمثيلا منذ عام 1958 قياسا إلى ما سبقها.
كما يلفت إلى أن شكل اللجنة نفسه، من حيث العدد والتركيبة والتمثيل، يجعلها أقرب إلى هيئة يمكن أن تتحول، في لحظة سياسية معينة، إلى جسم أوسع من مجرد لجنة صياغة، وربما إلى إطار سياسي انتقالي. ولهذا، برأيه، ينظر إليها النظام كخصم يتجاوز مجرد كتابة نص دستوري، لأن وجودها يفصل، ولو جزئيا، بين العمل السياسي وبين الهيمنة العسكرية والأمنية التقليدية.
خلاصة
تقوم الفكرة الأساسية في هذه المحاضرة على أن الديمقراطية في سوريا لا يمكن أن تبنى فوق بنية مركزية قديمة أعادت إنتاج التفاوت والهيمنة والتهميش. ولذلك، فإن اللامركزية ليست تفصيلا فنيا أو مطلبا هامشيا، بل شرط من شروط إعادة بناء الدولة على أسس أكثر توازنا وعدالة. وهي، في هذا المعنى، ليست خصما لوحدة البلاد، بل إحدى الوسائل الممكنة لحمايتها، إذا جرى فهمها بوصفها توزيعا عقلانيا للسلطة والموارد والتمثيل، لا بوصفها خطوة نحو التفكك.






