زيدون الزعبي: الخلاف على «مصدر التشريع» في الدستور السوري شكلي ويهدد بإضاعة القضايا الأهم
في هذه الندوة المطولة، يناقش الباحث في الحوكمة وقضايا الهوية الدكتور زيدون الزعبي إشكالية الدين ومصدر التشريع في الدساتير السورية، محاولا تفكيك طبيعة الخلاف القائم بين التيارات المحافظة والتيارات الليبرالية حول هذه المسألة. وينطلق من مقاربة يعتبرها أقرب إلى “المصلحة السياسية” منها إلى الجدل النظري المجرد، فيدعو منذ البداية إلى الحذر من المصطلحات الشائعة في السجال السوري، مثل “إسلامي” و”علماني”، لأن كلا المصطلحين بات يحمل في المخيال العام أثقالا أيديولوجية وتشويهات لا تساعد على بناء تفاهم سياسي ودستوري. لذلك يقترح استخدام تعبيرات مثل “التيارات المحافظة” و”التيارات الليبرالية”، باعتبارها أقل التباسا وأقرب إلى الواقع السياسي المعاصر.
المصطلح جزء من المشكلة
يرى الزعبي أن المصطلحات ليست مسألة شكلية كما قد يبدو، بل تؤثر مباشرة في النقاش العام وفي طريقة تلقي المجتمع لأي فكرة دستورية أو سياسية. فمصطلح “إسلامي” مثلا، في نظره، يُسحب في الاستخدام العام من طيف واسع يبدأ بشخصيات دعوية إصلاحية وينتهي عند تنظيمات متطرفة، ما يجعله خطرا حتى على أصحابه. وبالمثل، فإن مصطلح “علماني” في البيئة الشعبية السورية والعربية لا يزال مقترنا في أذهان كثيرين بالإلحاد أو العداء للدين، رغم أن هذا الفهم تبسيطي وغير دقيق. ومن هنا، فإن النزاع على الكلمات ليس تفصيلا لغويا فقط، بل هو جزء من معركة المعنى والشرعية داخل المجتمع.
أربع قضايا يتقاطع فيها الدين مع الدستور
يوضح الزعبي أن حضور الدين في الدساتير لا يقتصر على مادة واحدة، بل يتوزع على أربعة مجالات رئيسية: دين رئيس السلطة التنفيذية، مصدر التشريع، صيغة القسم الدستوري، وقضية الأحوال الشخصية للطوائف. ويضيف إلى ذلك دور مقدمة الدستور، التي كثيرا ما تحمل تصورا لهوية الدولة والمجتمع. ومن وجهة نظره، فإن فهم هذه العناصر مجتمعة ضروري قبل الخوض في أي نقاش دستوري، لأن التركيز على بند واحد، مثل “مصدر التشريع”، من دون وضعه في سياقه الكامل، يخلق استقطابا مبالغا فيه ويمنع الوصول إلى نقاش أكثر عمقا حول طبيعة النظام السياسي نفسه.
فرضية الندوة: الخلاف شكلي أكثر منه جوهري
الفرضية الأساسية التي يدافع عنها الزعبي في هذه المحاضرة هي أن الخلاف المتوقع داخل أي لجنة دستورية سورية حول “مصدر التشريع” سيكون خلافا كبيرا في الظاهر، لكنه أقل جوهرية مما يبدو عند قياسه بأثره القانوني الفعلي. وهو لا يقول إن المسألة عديمة الأهمية سياسيا أو رمزيا، بل يرى أن أثرها العملي أقل مما يتصوره الطرفان، المحافظ والليبرالي، وأن المبالغة في الصراع حولها قد تستهلك وقتا وجهدا على حساب قضايا أكثر حسما، مثل شكل نظام الحكم، توزيع الصلاحيات، العلاقة بين السلطات، مدة الولاية الرئاسية، وصلاحيات البرلمان.
ماذا يقلق المحافظين والليبراليين؟
يطرح الزعبي أسئلة يراها ضرورية قبل التورط في السجال التقليدي. ما الذي يقلق التيارات المحافظة من عدم ذكر دين رئيس الدولة، مع أن الرئيس سيكون في الغالب، وبحكم التركيبة الديمغرافية، مسلما؟ وفي المقابل، ما الذي يدفع التيارات الليبرالية إلى الإصرار على عدم ذكر الدين، مع أنها تعرف النتيجة نفسها؟ وهل يضمن النص على دين رئيس الدولة التزامه الفعلي بالدين؟ وهل يمنع أن يكون غير متدين أو حتى مخالفا لما يعلنه النص؟ وهل القصد من عبارة “دين الرئيس الإسلام” هو فعلا مجرد الإسلام بوصفه دينا، أم أن خلفها تصورا مضمرا عن رئيس عربي سني تحديدا؟ بالنسبة إليه، هذه الأسئلة تكشف أن النصوص غالبا لا تحسم الواقع كما يتصور البعض.
بين “دين الدولة” و”مصدر التشريع”
يتوقف الزعبي عند التمييز بين العبارتين اللتين أثارتا كثيرا من الجدل عربيا: “دين الدولة الإسلام” و”الإسلام مصدر رئيسي للتشريع”. ويستعرض مفارقة مهمة، إذ إن التخفيف في بعض الحالات تم عبر الانتقال من الأولى إلى الثانية، كما في سوريا عام 1950، بينما جرى في حالات أخرى، مثل تونس، اعتبار العودة إلى “دين الدولة” صيغة أخف أو أقل صدامية من النص على “مصدر التشريع”. بالنسبة إليه، هذه المفارقة تكشف أن الخلاف لا يدور فقط حول النصوص بل حول ما يتخيله كل طرف عنها، وحول الأثر الرمزي والسياسي الذي تتركه في جمهوره، أكثر من كونه خلافا محسوما بمضامين قانونية دقيقة ومتفق عليها.
ما معنى “مصدر رئيسي للتشريع” أصلا؟
يشير الزعبي إلى أن عبارة “مصدر رئيسي للتشريع” نفسها ليست واضحة أو موحدة الفهم. فإذا كان المقصود مبادئ الشريعة أو الفقه الإسلامي، فما حدود ذلك؟ وهل يمنع وجود مصادر أخرى، مثل المواثيق الدولية والمعاهدات والاتفاقيات الحديثة؟ ويستشهد بالتجربة المصرية، حيث جرى تفسير النص المتعلق بمبادئ الشريعة بطرق متعددة، حتى بات لا يعني الشيء نفسه بالضرورة لكل من المشرع والقاضي. ومن هنا، فإن النص ليس حاسما بذاته، بل يخضع دوما للتأويل السياسي والقضائي، ما يعزز فكرته بأن الصراع حول العبارة غالبا رمزي أكثر من كونه حاسما في كل ما يتعلق ببنية الدولة.
قانون الأحوال الشخصية هو ساحة الأثر الحقيقي
يعتبر الزعبي أن المكان الذي يظهر فيه الأثر العملي الحقيقي لهذا الجدل ليس في كل فروع القانون، بل أساسا في قانون الأحوال الشخصية. ويضرب أمثلة من التاريخ السوري نفسه لإثبات ذلك. ففي عدد من الدساتير التي يصفها بأنها ذات طابع ليبرالي أو غير ديني، مثل دستور 1920 ودستور 1930 ودستور الوحدة ثم دستور 1961، لم يكن النص الدستوري هو الذي حسم طابع الأحوال الشخصية، إذ ظل قانون المناكحات العثماني، ذي المرجعية الإسلامية، نافذا. وفي المقابل، يورد مثال تونس، حيث ينص الدستور على هوية دينية للدولة، لكن قانون الأحوال الشخصية اتخذ مسارا مختلفا، يتضمن حظر تعدد الزوجات ويفتح نقاشات واسعة حول الميراث. وهذا بالنسبة إليه دليل على أن العلاقة بين نص الدستور والطابع الفعلي للقوانين ليست مباشرة ولا آلية.
لماذا إذن يحتدم الصراع؟
جواب الزعبي أن الصراع الحقيقي هنا سياسي واجتماعي أكثر منه قانونيا. فكل تيار ينظر إلى جمهوره وإلى قاعدته الاجتماعية، ويحاول أن يثبت لها أنه يدافع عن “حقوقها” أو “هويتها” أو “قيمها”. ويستحضر هنا التجربتين الأبرز في التاريخ الدستوري السوري: تجربة 1920 وتجربة 1950. ففي الأولى، كانت النخبة المؤسسة للدولة خارجة من سياق تحرري ووطني منحها شرعية سابقة على النص، ولذلك لم يكن الصدام حول الدين ومصدر التشريع هو المحور الأساسي. أما في 1950، فقد دخلت قوى جديدة أكثر التصاقا بالشارع، مثل البعثيين والإخوان والشيوعيين والقوميين، وأصبحت بحاجة إلى أن تقدم نفسها لقاعدتها بوصفها حامية لهويتها، فاشتد السجال حول النصوص الرمزية المتعلقة بالدين. أي أن الأطراف كانت تخاطب جمهورها بقدر ما كانت تكتب للدولة.
الخطر: تضخيم معركة ثانوية
أكثر ما يحذر منه الزعبي هو أن تتحول هذه المسألة إلى ساحة استنزاف داخل أي عملية دستورية مقبلة. فبحسب طرحه، قد يصر المحافظون على إبقاء النص لأنهم لا يرونه مشكلة حقيقية، وقد يصر الليبراليون على حذفه لأنه ليس ضروريا في رأيهم، فيتعطل النقاش بين مطلبين متقابلين، ويضيع الوقت على حساب قضايا أكثر حساسية وتأثيرا في مستقبل سوريا. بالنسبة إليه، ليست الأولوية الحاسمة اليوم هي خوض معركة شعارات حول “مصدر التشريع”، بل تحديد: هل النظام برلماني أم رئاسي؟ ما حدود صلاحيات الرئيس؟ ما شكل الفصل بين السلطات؟ كيف تتوزع الصلاحيات؟ ما موقع البرلمان؟ وكيف يجري ضبط السلطة التنفيذية؟ هذه هي النقاط التي يراها جوهرية فعلا.
لا تغرقوا في التفاصيل
يستعيد الزعبي عبارة سياسية استخدمت في سياق تفاوضي سابق: “سنغرقكم في التفاصيل”، ليحذر من الوقوع في هذا الفخ داخل أي نقاش دستوري مقبل. والمقصود هنا أن الانشغال المفرط ببند رمزي أو خلافي، على أهميته، قد يتيح للقضايا الكبرى أن تمر بلا تدقيق كاف. فالنصوص المتعلقة بالدين والهوية يمكن أن تتحول إلى مصيدة تستقطب الجميع، فيما تمر بنية السلطة الحقيقية من خلفها. لذلك يوجه دعوة واضحة إلى من سيشاركون في أي لجنة دستورية سورية: لا تجعلوا هذا البند يستنزف العملية كلها، لأن الأجيال المقبلة قد تدفع ثمن تنازلات أو أخطاء ارتكبت في ملفات أخطر بكثير.
خاتمة
لا يدعو الزعبي إلى تجاهل المسألة أو إنكار حساسيتها، لكنه يحاول إعادة ترتيب الأولويات. فالنزاع حول الدين ومصدر التشريع، في رأيه، سيظل حاضرا ما دام كل طرف ينظر إليه باعتباره رسالة موجهة إلى قاعدته الاجتماعية أكثر من كونه بندا تقنيا قانونيا. ومع ذلك، فإن التاريخ الدستوري السوري، والتجارب المقارنة، يثبتان أن شكل النص وحده لا يحسم دائما طبيعة الدولة والقوانين كما يتخيل المتجادلون. ومن هنا، فإن النقاش الأكثر فائدة هو ذاك الذي ينقل الجدل من مستوى الشعار إلى مستوى البنية: كيف نبني دولة لا تعيد إنتاج الاستبداد، وكيف نضع دستورا يقيّد السلطة فعلا، وكيف نصوغ نظاما سياسيا يسمح بالمساءلة والتوازن والتمثيل، بدلا من أن يبقى الصراع دائرا في حلقة رمزية لا تنتهي.






