الدكتور زيدون في لقاد مع آلاء عامر: إن سوريا تعيش أخطر مراحل الاستقطاب في تاريخها الحديث، وحذّر من أن استمرار خطاب الكراهية يهدد وحدة المجتمع ومستقبل البلاد.
وتوقف الزعبي عند مشهد الطفلة التي ظهرت في نيويورك وهي تؤدي إشارة ذات دلالة عنيفة، معتبراً أن الزج بالأطفال في خطاب الكراهية، ثم الرد عليهم بخطاب مماثل، يكشف مدى الانحدار الذي وصل إليه الاستقطاب السوري، ويعكس حالة انتحار جماعي سياسي وأخلاقي، لأن كل طرف يظن أنه يدافع عن نفسه بينما هو يدمر مجتمعه ومستقبل أطفاله.
وفي حديثه عن “بيان الطحين” الذي دعا إلى فك الحصار عن السويداء وإدخال الطحين إليها، أوضح الزعبي أنه وقّع البيان لأن غايته الأساسية تتعلق بحياة الناس وحقهم في الخبز، ولأنه يشكل جسراً بين درعا والسويداء في لحظة توتر حاد. لكنه في المقابل انتقد استعمال تعبيرات من نوع “سلطات الأمر الواقع” في مستهل النص، معتبراً أن المشكلة ليست فقط في ما يُقال، بل في كيف يفهمه الطرف الآخر، وأن اللغة في لحظات الاحتقان يجب أن تُعاير بمنطق السلام لا بمنطق تسجيل المواقف.
وأكد الزعبي أن معالجة الانقسام الحالي بين درعا والسويداء لا يمكن أن تقوم على التعميم أو تبادل الاتهامات، مشدداً على أن القول إن “درعا خذلت السويداء” كما التعميم المقابل على السويداء أو السنة أو الدروز، هو خطاب يزيد الجرح ولا يساعد على الفهم. ولفت إلى أن هناك جهوداً حقيقية جرت من أبناء درعا ومؤسسات الجنوب لإيصال مساعدات، والعمل على ملف المختطفين، ومحاولات كسر الحصار، وهو ما لا يجوز تجاهله تحت ضغط الاستقطاب.
وأشار إلى أن شعور جزء واسع من أهالي السويداء بأن السوريين خذلوهم يجب التعامل معه بجدية بوصفه شعوراً جمعياً قائماً، لا بصفته مسألة صحيحة أو خاطئة فقط. وفي الوقت نفسه دعا الجميع إلى التفكير في أسباب هذا الشعور، ولماذا وصل إلى هذه الدرجة، ولماذا لم يظهر المشهد نفسه في محطات سابقة مثل جرمانا وصحنايا، معتبراً أن فهم هذا الخذلان يحتاج إلى مراجعة من الطرفين، لا إلى سجال جديد.
وشدد الزعبي على أن ما تحتاجه سوريا اليوم هو وقف التعميم والابتعاد عن التصنيفات من نوع خائن وعميل وإرهابي وانفصالي وفلول، لأن هذه اللغة لا تصف الواقع بقدر ما تدفع المجتمع إلى مزيد من التمزق. واعتبر أن من حق الجميع أن يتألموا ويختلفوا، لكن ليس من حق أحد أن يلغي جماعة كاملة أو يختزلها بموقف أو حادثة أو صورة.
وفي معرض حديثه عن النخب السورية، رأى الزعبي أن واحدة من أكبر أزمات البلاد اليوم هي أن جزءاً من النخب انغمس في “الفجور في الخصومة”، وبات يقول للناس ما يرضي انفعالهم لا ما يخدم مصلحتهم، معتبراً أن النخب التي يفترض بها أن تهدئ الصراع وتدفع نحو السلام، أصبحت أحياناً جزءاً من ماكينة الاستقطاب نفسها.
ودافع الزعبي عن دور “الوسط” في الحياة العامة، معتبراً أن المشكلة ليست في اليمين أو اليسار بحد ذاتهما، بل في غياب الوسط القادر على كبح الاستقطاب بينهما. وقال إن البلد الذي لا يملك هذا الوسط محكوم بالتكسر، لأن كل طرف يشد باتجاهه إلى أن ينفجر المجتمع. ورفض وصف الوسطية بالرمادية، معتبراً أن شيطنة الوسط هي من أخطر مظاهر الأزمة السورية اليوم.
كما تحدث عن تجربته الشخصية في الدعوة الدائمة إلى الحوار، مؤكداً أن البديل عن الحوار ليس إلا السلاح أو التدخل الخارجي أو المزيد من الانهيار، وأنه لم يوافق يوماً على العقوبات الاقتصادية أو استدعاء الخارج أو معاداة مؤسسات الدولة بسبب الخصومة مع السلطة، لأن مصلحة الناس في نظره تبدأ بوقف الحرب وفتح المجال للتجارة والحياة والاستقرار، لا بالتحريض والمواجهة المستمرة.
وفي سياق حديثه عن خطاب الكراهية، لفت إلى أن الإعلام الرسمي وبعض المنابر القريبة من السلطة ليسوا أبرياء من هذه المشكلة، لكنه أشار أيضاً إلى أن الظاهرة لا تقتصر على جهة واحدة، بل تشمل مختلف الأطراف، وخصوصاً النخب التي تتحدث باسمها. وأكد أن الكلمات في سوريا اليوم لم تعد تفهم بوصفها توصيفات باردة، بل بوصفها رسائل تهديد وإقصاء، لذلك فإن المسؤولية الأخلاقية في اختيار اللغة أصبحت مضاعفة.
وفي ختام المقابلة، قال الزعبي إنه لا يملك إجابة قاطعة عن اتجاه سوريا، لا نحو الاستقرار ولا نحو الفوضى أو التقسيم، لكنه شدد على أن ما يملكه السوريون الآن ليس التنبؤ، بل العمل. واعتبر أن الشعار الوحيد المجدي اليوم هو “حيّ على العمل”، أي العمل من أجل السلام، ووقف التحريض، وفتح قنوات الحوار، والاشتغال على ما يمكن فعله فعلاً بدل الاكتفاء بالاستقطاب والاتهام والانتظار.






