حلقة خاصة من برنامج “وسط البلد” ضمن سلسلة “سوريا تحكي”، نُظمت من مدينة حمص، وفتحت نقاشاً مباشراً حول شكل العدالة الانتقالية التي يحتاجها السوريون اليوم، وكيف يمكن إنصاف الضحايا، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، من دون إعادة إنتاج الصراع أو تهديد السلم الأهلي.
في هذه الحلقة
تناقش الحلقة مفهوم العدالة الانتقالية بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في سوريا بعد سنوات من النزاع والانتهاكات، انطلاقاً من سؤال أساسي: كيف يمكن طي صفحة الماضي من دون تجاهلها، وكيف يمكن تحقيق العدالة من دون أن تتحول إلى انتقام أو إلى مسار انتقائي يستثني ضحايا ويُبقي آخرين خارج المشهد.
في بداية الحلقة، جرى توضيح أن العدالة الانتقالية لا تقتصر على المحاكمات، بل تشمل كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، وتخليد الذاكرة، والمصالحة الوطنية، بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات مستقبلاً. كما أوضح رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أن الهيئة استكملت بناءها المؤسسي، وتستعد لبدء خطوات عملية في عدد من الملفات، بينها مجازر كبرى وملفات تتعلق بكشف الحقيقة وجبر الضرر.
مداخلات الحضور ركزت على مجموعة واسعة من القضايا، أبرزها المطالبة بعدالة شاملة لا تقتصر على انتهاكات النظام السابق فقط، بل تأخذ في الاعتبار أيضاً الانتهاكات الأحدث في الساحل والسويداء، وتضمن عدم الإفلات من العقاب لأي طرف. كما شدد المتحدثون على أن العدالة الحقيقية تبدأ بإعادة الثقة، وضبط السلاح، وإصلاح المؤسسات، وفي مقدمتها القضاء، وأن البطء أو الغموض في هذا المسار قد يدفع الضحايا نحو فقدان الثقة والبحث عن أشكال عدالة ثأرية.
الحلقة أعطت مساحة واسعة لضحايا مباشرين وأهالي ضحايا ومعتقلين سابقين ومصابين، تحدثوا عن حاجتهم إلى معرفة الحقيقة، والكشف عن مصير المغيبين، ومحاسبة المسؤولين، ورفض إعادة تدوير شخصيات متورطة في الجرائم أو تقديم تسويات مالية تُفهم بوصفها بديلاً عن المساءلة. كما طُرحت أسئلة حول دور مجلس الشعب المقبل، وأولوية قانون العدالة الانتقالية، وإمكانية تمويل جبر الضرر من أموال الفاسدين، والحاجة إلى تواصل أوضح وأكثر مباشرة من الدولة مع المجتمع حول هذا المسار.
ضيوف الحلقة
عبد الباسط عبد اللطيف: رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية
محاور النقاش
- ما شكل العدالة الانتقالية التي يحتاجها السوريون؟ طرحت الحلقة سؤالاً جوهرياً حول طبيعة العدالة المطلوبة في سوريا، وهل تكون عدالة قانونية شاملة توازن بين المحاسبة وجبر الضرر والمصالحة، أم أنها ما تزال محاطة بالغموض والشكوك.
- هل العدالة الانتقالية تشمل جميع الانتهاكات؟ ناقش الحضور مسألة حصر الولاية الزمنية للهيئة بانتهاكات النظام السابق حتى 8 كانون الأول 2025، وطرحوا تساؤلات حول مصير الانتهاكات اللاحقة في الساحل والسويداء، وإمكانية ضمها إلى المسار نفسه.
- كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين أكدت المداخلات أن كشف الحقيقة يجب أن يكون مدخلاً أساسياً لأي مسار عدالة، بما يشمل معرفة مصير المغيبين، وتحديد المسؤولين عن التعذيب والمجازر والمقابر الجماعية، وعدم الاكتفاء بالتركيز على المنفذين الصغار دون كبار المسؤولين.
- جبر الضرر وتعويض الضحايا تناولت الحلقة ملف جبر الضرر، سواء بالنسبة لأهالي القتلى والمفقودين أو للمصابين وذوي الإعاقات البليغة، مع التشديد على أن التعويض لا يقتصر على المال، بل يشمل الاعتراف، والرعاية، واستعادة الكرامة، وتقديم خدمات ملموسة للضحايا.
- إصلاح القضاء والمؤسسات طُرحت إشكالية إصلاح القضاء بوصفها شرطاً ضرورياً لنجاح العدالة الانتقالية، إلى جانب إصلاح مؤسسات الدولة، وضبط السلاح، وتعزيز سيادة القانون، باعتبار أن العدالة لا يمكن أن تنجح في بيئة مضطربة أمنياً ومؤسسياً.
- الثقة والشفافية وأولوية القانون ركزت الحلقة على أهمية بناء الثقة بين الضحايا والهيئة والدولة، وعلى ضرورة الشفافية في شرح الخطوات المقبلة، كما برزت دعوات واضحة لأن يكون قانون العدالة الانتقالية من أولى القوانين التي يناقشها مجلس الشعب المقبل.
خلاصة الحلقة
تكشف هذه الحلقة أن مطلب العدالة الانتقالية في سوريا لم يعد مجرد عنوان سياسي أو قانوني، بل بات مطلباً مباشراً من الضحايا وأهاليهم ومن قطاعات واسعة من السوريين الذين يريدون مساراً واضحاً يجيب عن أسئلة الحقيقة والمحاسبة والتعويض وعدم التكرار. وقد أظهرت المداخلات أن القلق الأساسي لا يتعلق فقط بمبدأ العدالة، بل بمدى شمولها، وسرعتها، وشفافيتها، وقدرتها على الوصول إلى كبار المسؤولين لا الاكتفاء بالهوامش.
في المقابل، أظهرت الحلقة أن هناك إدراكاً واسعاً لصعوبة هذا المسار وتعقيداته، وأن السوريين لا يطالبون بعدالة فورية وسطحية، بل بعدالة حقيقية يمكن الوثوق بها. ولذلك برزت بوضوح فكرتان أساسيتان: الأولى أن العدالة الانتقالية يجب أن تكون شاملة وغير انتقائية، والثانية أن الثقة لا تُبنى بالوعود، بل بإجراءات ملموسة، وقوانين واضحة، وتواصل صريح مع الناس.
والمحصلة أن نجاح العدالة الانتقالية في سوريا لن يُقاس فقط بعدد الملفات المفتوحة أو المحاكمات، بل بمدى قدرتها على حماية الضحايا من التهميش مجدداً، ومنع تحوّل الألم إلى ثأر، وتحويل مطلب العدالة إلى بوابة حقيقية نحو دولة قانون ومواطنة ومؤسسات.






