في هذه المقابلة على منصة بالمباشر مع رواد ضاهر، قدّم الدكتور زيدون الزعبي قراءة سياسية ومجتمعية حادّة للمشهد السوري الراهن، محذّراً من أن سوريا تقف اليوم أمام مستوى غير مسبوق من الاستقطاب والكراهية المتبادلة، وأن الخطر لم يعد سياسياً أو عسكرياً فقط، بل بات خطراً مجتمعياً عميقاً يهدد بنية البلاد نفسها. وأشار إلى أن ما يجري على الأرض، رغم أنه أقل حدّة من حروب مواقع التواصل الاجتماعي، لا يدعو إلى الاطمئنان، لأن حجم الأحقاد والخطاب التحريضي المتبادل بلغ مستوى مقلقاً، خصوصاً مع انتقال هذا الخطاب من الهامش إلى قطاعات واسعة من الجمهور والنخب معاً.
ويرى الزعبي أن أخطر ما في المشهد السوري اليوم أن النخب نفسها باتت تؤجج خطاب الكراهية بدل أن تلعب دوراً مهدئاً وعاقلاً، معتبراً أن الجمهور في أحيان كثيرة أصبح أقل تطرفاً من الأصوات التي تدّعي تمثيله أو الدفاع عنه. وفي هذا السياق شدد على أن سوريا مفتوحة على احتمالات خطيرة، بينها احتمال الانزلاق إلى حرب أهلية، لأن كل عناصرها باتت متوفرة: التدخلات الإسرائيلية، آثار العقوبات، الجفاف، التوترات الطائفية، الشعور المتبادل بالمظلومية، والانقسامات الحادة بين المكونات.
وفي معرض حديثه عن الطروحات الانفصالية أو الحلول العسكرية، اعتبر الزعبي أن الخيار الانفصالي خيار شمشوني وانتحاري، لا ينطلق من حب الذات أو البحث عن حياة أفضل، بل من منطق كراهية الآخر والاستعداد لخسارة الجميع في سبيل إيلامه. كما رفض في المقابل منطق فرض البقاء بالقوة، معتبراً أن المجتمع لا يُحمى بالقسر ولا يمكن حماية “أقلية” أو “أكثرية” بمعزل عن باقي الجسد السوري، لأن انهيار أي جزء من المجتمع سيصيب الجميع. وانطلاقاً من ذلك، دعا بوضوح إلى عدم التهور في أي معركة في الحسكة أو كوباني، محذراً من أن أي مواجهة جديدة هناك ستكلّف سوريا مزيداً من الدماء والأحقاد، وستبدد فرصة واقعية كانت متاحة للاندماج والحوار.
وفي تقييمه لملف قسد وشمال شرق سوريا، قال الزعبي إن الفرصة كانت كبيرة جداً للوصول إلى صيغة اندماج وطني، وإن الخشية من الآخر أضاعت على الجميع مكسباً كان يمكن أن يخفف الاستقطاب ويؤسس لجيش وطني أوسع تمثيلاً. وأوضح أن اندماج قوى ذات خلفيات مختلفة كان من الممكن أن يخفف من غلبة الأيديولوجيا لدى كل طرف، إلا أن منطق الحذر المتبادل والرهان على القوة لا يزال يحكم المشهد. ومع ذلك، دعا الطرفين، الحكومة و”قسد”، إلى العودة إلى طاولة الحوار وعدم تفويت ما تبقى من فرصة، وذكّر بأن المرسوم 13 وما تضمنه من اعتراف بالحقوق اللغوية والثقافية كان إنجازاً مهماً لا يجوز التفريط به عبر خيارات عسكرية أو ردود فعل شمشونية.
أما في ما يخص السويداء، فقد رفض الزعبي تماماً الحديث عن “دور السويداء” أو أي حل عسكري ضدها، معتبراً أن مجرد النطق بهذه اللغة كارثي. وأكد أن الانفصال هناك غير واقعي وغير قابل للحياة، ليس فقط لأنه مرفوض وطنياً، بل أيضاً لأن الجغرافيا والمجتمع والاقتصاد لا تسمح بقيام كيان منفصل قابل للاستمرار من دون كلفة هائلة على الجميع. لكنه في الوقت نفسه شدد على أن ذلك لا يبرر إنكار الألم أو تجاهل ما حدث، بل يفرض الذهاب إلى خيار الحوار وحده، لأن البديل هو مزيد من الدم، ومراكمة أحقاد ستنفجر عاجلاً أو آجلاً. وأوضح أن المطلوب من الحكومة هو الشجاعة في الحوار، لا الاندفاع إلى الحسم العسكري، لأن كسب الأرض بالقوة لا يعني كسب المجتمع، بينما الدولة الحقيقية تقوم على المجتمع والأرض والمؤسسات معاً.
وفي الشأن الإقليمي، رأى الزعبي أن المشهد السوري لم يعد يُفهم فقط من داخل البلاد، بل في ضوء تنافس إقليمي أوسع بين محور تركي-سعودي من جهة، ومحور تقوده إسرائيل من جهة أخرى. واعتبر أن السعودية باتت لاعباً أساسياً لا يمكن تجاهله، وأن إسرائيل تسعى إلى فرض مشاريع ذات طابع إثني وتقسيمي، بينما يميل المحور التركي-السعودي إلى نموذج الدولة المركزية ولكن بصيغ أكثر تشاركية. كما استبعد أن تكون واشنطن مستعدة ببساطة لمنح إسرائيل الجنوب السوري كمنطقة نفوذ كاملة، لأن ذلك من شأنه أن يخلط توازنات كبرى مع تركيا والسعودية والأردن، ويدفع المنطقة إلى تصدعات أكبر. ومع ذلك، لم يخفِ قلقه من حجم التدخلات الخارجية ومن محاولات الاستثمار في الانقسامات السورية.
ومن أكثر محاور المقابلة أهمية، حديث الزعبي المطوّل عن المظلومية في سوريا، حيث اعتبر أن واحداً من أخطر أسباب الانفجار المتكرر هو أن كل جماعة تعيش ألمها الخاص لكنها لا تعترف بألم الآخرين. وقال إن جزءاً مهماً من السنة في سوريا يحمل شعوراً عميقاً بالمظلومية نتيجة تاريخ طويل من القمع والقتل والتدمير، وإن تجاهل هذه الحقيقة من قبل بعض النخب فاقمها بدل أن يخففها. كما شدد على وجود مظلومية درزية هائلة بعد ما جرى في السويداء، ومظلومية علوية بعد مجازر الساحل، إلى جانب المظلومية الكردية التاريخية. وبالنسبة له، فإن أخطر ما يفعله السوريون اليوم هو إنكار آلام بعضهم بعضاً، لأن هذا الإنكار نفسه هو الوقود الذي يصنع موجات التطرف والثأر المقبلة.
وفي هذا الإطار، شدد على أن المدخل الأول لأي عدالة انتقالية حقيقية هو الإقرار بالألم، لا القفز فوقه ولا اختزاله ولا إنكاره. ودعا إلى تسمية الأشياء بأسمائها، لا إلى استعمال عبارات مخففة من نوع “أحداث”، بل إلى الاعتراف بالمجازر والجرائم كما هي، سواء في حماة أو حمص أو الغوطة أو إدلب أو الساحل أو السويداء أو غيرها. واعتبر أن الناس لا تحتاج دائماً إلى تعويضات ضخمة بقدر حاجتها إلى أن يُقال لها بوضوح: نعم، لقد ظُلمتم، ونحن نعرف ما جرى لكم. وأكد أن تجاهل هذه المسألة سيبقي سوريا في دوامة عنف مستدامة، لأن الألم المنكور لا يموت، بل يتراكم ويتحول إلى رغبة بالثأر.
وفي ختام المقابلة، دعا الزعبي إلى التعويل على الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وعلى أي إطار جدي يمكن أن يفتح هذا الملف بشجاعة، وطالب بأن يكون أول قانون يتبناه مجلس الشعب المقبل هو قانون للعدالة الانتقالية يشمل كل الانتهاكات قبل وبعد 8 كانون الأول/ديسمبر، وأن يكون مبنياً على الاعتراف والإنصاف لا الانتقائية أو الإنكار. وخلص إلى أن سوريا لن تستقر إلا إذا اعترف السوريون جميعاً بآلام بعضهم بعضاً، وخرجوا من منطق “تفشّ الغل” إلى منطق حماية الأجيال المقبلة، لأن تجاهل الجراح لن يمحوها، بل سيجعلها تنفجر مرة بعد أخرى.






