الدستور السوري يجب أن لا يكون للأغلبية فقط بل لكل السوريات والسوريين
في هذه المقابلة المطولة، يتناول الباحث والخبير في الحوكمة وقضايا الدستور واللامركزية زيدون الزعبي واحدة من أكثر القضايا تعقيدا في الملف السوري، وهي مهمة اللجنة الدستورية وإمكانية الوصول إلى دستور يعبر عن السوريين جميعا، لا عن موازين القوى بين الدول والأطراف المتصارعة. وينطلق النقاش من سؤال جوهري: هل تكفي الانتخابات وحدها لتعريف الدولة الديمقراطية، أم أن الدستور يجب أن يكون أيضا أداة لحماية الحقوق الأساسية ومنع استبداد الأغلبية، بحيث لا تتحول الديمقراطية إلى وسيلة لحرمان النساء أو الأقليات الدينية واللغوية من حقوقها؟
اللجنة الدستورية بين التمثيل الناقص والشرعية المحدودة
يرى الزعبي أن تشكيل اللجنة الدستورية السورية جاء دون مستوى الطموح، ليس فقط لأنها نتاج توافقات إقليمية ودولية أكثر من كونها نتاجا لإرادة السوريين أنفسهم، بل أيضا لأنها استبعدت مكونا أساسيا في المعادلة السورية، هو شمال شرق سوريا أو الإدارة الذاتية، بما يمثله ذلك من غياب لطرف فاعل على الأرض لا يمكن تجاهله. ويؤكد أن هذا الاستبعاد خلق إشكاليتين رئيسيتين: الأولى ضعف الشرعية الشعبية للجنة، والثانية غياب مكونات أساسية عن عملية يفترض بها أن تؤسس لعقد سياسي جديد. ومع ذلك، يلفت إلى أن الحديث عن لجنة “مثالية” في ظل واقع الحرب والانقسام والتدخلات الخارجية يبقى أقرب إلى الاستحالة، وأن أقصى ما كان ممكنا هو لجنة أقل ضعفا وأكثر شمولا.
الشفافية ليست مطلقة في المسارات التفاوضية
في معرض حديثه عن الشفافية، يطرح الزعبي مقاربة مختلفة عن المطالبات الشائعة بجعل كل مداولات اللجنة علنية بالكامل. فهو لا ينكر أهمية الشفافية كقيمة من قيم الحوكمة، لكنه يميز بين الحالة المثالية وبين واقع الصراع السوري، حيث تجلس على الطاولة أطراف كانت قبل وقت قصير تتبادل اتهامات الإرهاب والعمالة والاستبداد. ومن هذا المنطلق، يرى أن الإفراط في العلنية قد يدفع كل طرف إلى التشدد أمام قاعدته بدلا من البحث عن تسويات، لأن كل ممثل سيصبح معنياً بإظهار صلابته أمام جمهوره، لا ببناء التوافقات الضرورية لإنتاج نص دستوري. لذلك، يذهب إلى أن المطلوب ليس الشفافية المطلقة كما تُتصور نظريا، بل الحد الممكن من الشفافية الذي لا ينسف وظيفة اللجنة نفسها.
اللامركزية: المفهوم الضروري الذي جرى تشويهه
يفرد الزعبي مساحة واسعة للحديث عن اللامركزية، ويعتبر أن ما سمته المعارضة “اللامركزية الموسعة” يعكس في جانب منه ارتباكا في فهم المفهوم نفسه. بالنسبة إليه، المشكلة ليست في توسيع اللامركزية أو تضييقها، بل في الاعتراف بالحاجة إلى أبعادها الثلاثة: السياسية، والإدارية، والمالية. فاللامركزية السياسية تعني انتخاب السلطات المحلية، واللامركزية الإدارية تعني منحها القدرة على إدارة الخدمات واتخاذ القرارات التنفيذية في نطاقها، واللامركزية المالية تعني تمكينها من تحصيل الموارد المحلية والإنفاق على أولوياتها. ويرى أن الخوف السوري المزمن من مصطلحات مثل “اللامركزية السياسية” أو “الفدرالية” نابع من رواسب الحكم المركزي الطويل، من العهد العثماني وصولا إلى البعث، حيث جرى ربط أي حديث عن توزيع السلطة بفكرة الانفصال، مع أن هذا الربط، في رأيه، غير صحيح.
لا تمثيل حقيقيا من دون توزيع للسلطة
انطلاقا من هذه الرؤية، يدافع الزعبي بقوة عن فكرة البرلمان ذي الغرفتين، معتبرا أن هذه الصيغة لا تعني بالضرورة الفدرالية، بل يمكن أن تكون وسيلة لتوسيع التمثيل وإدخال المناطق والمكونات والنخب المهنية والاجتماعية في صلب صناعة القرار. فالغرفة الأولى تمثل الشعب على قاعدة عددية، فيما تتيح الغرفة الثانية تمثيل المناطق وربما الأقليات والنقابات والفاعلين المحليين. ومن هنا، تصبح اللامركزية ليست مجرد مطلب إداري، بل آلية لإعادة بناء التمثيل السياسي في بلد عانى طويلا من احتكار المركز للقرار. ويشدد على أن المركز نفسه من مصلحته التنازل عن جزء من سلطاته، لأن الدولة المنهكة لا تستطيع إدارة كل شيء من العاصمة، لا ماليا ولا إداريا ولا بشريا.
الديمقراطية المحلية بوصفها مدخلا للديمقراطية الوطنية
يطرح الزعبي هنا فكرة محورية، وهي أن سوريا، حتى لو دخلت في مسار سياسي جديد، لن تصل مباشرة إلى الديمقراطية التي يحلم بها السوريون. لذلك فإن اللامركزية وتقاسم السلطات يمكن أن يشكلا مسارا انتقاليا لتدريب المجتمع على الممارسة الديمقراطية في المستوى المحلي، عبر البلديات والمجالس والمحافظات، قبل الانتقال إلى ديمقراطية وطنية مكتملة. فالمجتمع الذي حرم لعقود من التمثيل والمشاركة يحتاج إلى استعادة السياسة من القاعدة إلى القمة، لا أن ينتظر معجزة تأتيه من المركز.
حماية الأقليات تبدأ بحماية المواطنة
في الشق المتعلق بحقوق الأقليات الدينية واللغوية، يوضح الزعبي أن الدستور يجب أن يعمل على مستويين متكاملين. الأول هو حماية المواطنة بوصفها الإطار العام، أي ضمان المساواة بين جميع المواطنين بغض النظر عن الدين أو اللغة أو العرق أو الجنس أو الطائفة. والثاني هو الاعتراف بحقوق الجماعات نفسها، لأن المواطنة المجردة لا تكفي في بلد مثل سوريا، حيث توجد مكونات لها لغاتها وثقافاتها وذاكراتها الجمعية الخاصة. ولذلك يرى أن الدستور المستقبلي يجب أن يتضمن حماية صريحة للغات، والعادات، والتقاليد، وحقوق الجماعات العرقية والدينية والطائفية، إلى جانب نظام سياسي يساعد فعليا على صون هذه الحقوق، من خلال اللامركزية، وغرفة برلمانية ثانية، ونصوص واضحة تمنع الإلغاء أو التهميش.
المحافظات والأقاليم: الحاجة إلى إعادة نظر
وحول الخريطة الإدارية لسوريا، يؤكد الزعبي أن التقسيم الحالي ليس مقدسا، وأن المحافظات نفسها تغيرت عبر العقود لأسباب سياسية. ومن هنا، لا يرى مانعا من إعادة النظر في هذا التقسيم، بل يذهب إلى أبعد من ذلك باقتراح التفكير في مستوى أعلى من المحافظات، أي الأقاليم، بوصفها إطارا للتعاون بين المحافظات المتجاورة ووسيلة لحماية التنوع وتحقيق قدر أكبر من الكفاءة في إدارة الموارد. لكنه في الوقت نفسه يحذر من الذهاب إلى “تذرير” البلاد إلى عدد كبير من الوحدات الصغيرة، لأن ذلك قد يضعف الكفاءة الإدارية ويعزز الهويات المناطقية الضيقة على حساب الهوية الوطنية.
العلاقة بين الدولة والدين: جدل متشابك أكثر مما يبدو
في القسم المتعلق بالعلاقة بين الدولة والدين، يقدم الزعبي قراءة مقارنة ومفصلة لمسألة “دين الدولة” و”مصدر التشريع”، مظهرا أن الجدل حولهما ليس بالبساطة التي يتخيلها الخطاب العام. ويضرب مثالا من سوريا عام 1950، حين أدى الخلاف بين التيارات المحافظة والتيارات الأخرى إلى استبدال نص “دين الدولة الإسلام” بصيغة “الإسلام مصدر رئيسي للتشريع”، باعتبارها حلا أخف حدة. لكنه يشير إلى مفارقة أن تونس ذهبت في الاتجاه المعاكس، إذ بدا أحيانا أن النص على “دين الدولة” هو الصيغة الأخف مقارنة بالنص على “مصدر التشريع”. ومن هنا، يرى أن الخلاف ليس فقط على النص، بل على معنى النص وتأويله وآثاره المتخيلة أكثر من آثاره الفعلية. كما يضيف أن وجود دستور لا ينص صراحة على مرجعية دينية لم يمنع استمرار قوانين أحوال شخصية ذات مرجعية إسلامية، مثل القانون العثماني الذي بقي أساسا قانونيا في سوريا لعقود طويلة. لذلك فإن العلاقة بين النص الدستوري وبين القوانين الفعلية أكثر تعقيدا من السجال الاختزالي بين “دولة دينية” و”دولة علمانية”.
تمكين المرأة بين النص والنضال الاجتماعي
في حديثه عن النساء، يشير الزعبي إلى أن إحدى المكاسب القليلة التي حققها السوريون منذ 2011 هي الحضور الأقوى لقضية المرأة في المجال العام، ويعزو ذلك أساسا إلى نضال السوريات أنفسهن، مع الاعتراف بوجود ضغط دولي ساعد في إبراز هذه القضية. ويرى أن الدستور يمكن أن يشكل أحد الضمانات المهمة لتوسيع مشاركة النساء في الحياة السياسية، سواء من خلال النص على الكوتا أو من خلال إزالة الصياغات الذكورية في النصوص التي تحصر المناصب العليا بالرجال. لكنه في الوقت نفسه يرفض اعتبار النص وحده ضمانا كافيا، ويشدد على أن التقدم الحقيقي يبقى مرهونا باستمرار النضال الاجتماعي والسياسي لفرض هذه الحقوق وحمايتها.
ما الذي يجب أن يفعله الدستور السوري المقبل؟
في المحصلة، يقدم الزعبي تصورا لدستور سوري عصري يقوم على أربعة أعمدة متكاملة: دستور يحمي المواطنة، ودستور يعترف بحقوق الجماعات، وبرلمان بغرفتين يعزز التمثيل والتوازن، ونظام لامركزي بالأبعاد الثلاثة يساعد على حماية التنوع وتوسيع المشاركة. وهو يقر بأن هذا التصور قد يبدو طموحا، بل وربما “حالمًا” قياسا إلى الظروف الحالية، لكنه يصر على أن أي دستور أقل من ذلك سيبقي سوريا داخل أزمة التمثيل، والخوف المتبادل، واحتكار السلطة.
بين الواقعية والطموح
في نهاية الحوار، لا يتحدث الزعبي بلغة انتصارية أو واثقة من إمكان تحقق هذا النموذج كاملا، بل بلغة أقرب إلى الواقعية الحذرة. فهو يدرك أن المعطيات السياسية الحالية لا تسمح بسهولة بفرض مثل هذا التصور، لكنه يعتبر أن من واجب الفاعلين السياسيين والمدنيين السوريين أن يدفعوا بهذا الاتجاه، وأن يتمسكوا بأفق دستوري لا يعيد إنتاج دولة الغلبة، بل يؤسس لدولة توازن بين حقوق الأفراد وحقوق الجماعات، وبين سلطة المركز وحقوق الأطراف، وبين مبدأ المواطنة وحماية التنوع.






