في هذه المحاضرة، يتناول الدكتور زيدون الزعبي تطور مفهوم الهوية الوطنية في الدساتير السورية المتعاقبة، من دستور 1920 حتى دستور 2012، متتبعًا التحولات التي طرأت على موقع الهوية السورية في النص الدستوري، وعلاقتها بالبعدَين العربي والإسلامي. ويشرح كيف انتقلت سوريا، دستوريًا، من تصورٍ لنفسها بوصفها أمة مكتملة، إلى جزء من أمة عربية أوسع، وما ترتب على ذلك من إضعاف لفكرة الهوية السورية الجامعة وتهميش للتنوع القومي والثقافي داخل البلاد. كما يربط بين هذا المسار الدستوري وبين أزمة تعريف الذات الوطنية التي انفجرت بوضوح بعد عام 2011، حين عاد سؤال “من نحن؟” إلى الواجهة بوصفه أحد الأسئلة المركزية في الصراع السوري.
لماذا سؤال الهوية اليوم؟
ينطلق الدكتور زيدون الزعبي من ملاحظة أساسية مفادها أن سؤال الهوية الوطنية عاد بقوة إلى الواجهة بعد عام 2011، حيث بدأ السوريون يطرحون أسئلة جوهرية حول تعريف أنفسهم: هل هم سوريون أولاً؟ أم عرب؟ أم ينتمون إلى هويات دينية أو قومية أوسع؟ ويربط ذلك بسياق النقاشات الدستورية الجارية، حيث أصبحت قضية الهوية أحد أكثر الملفات إثارة للجدل بين القوى السياسية.
إشكالية الهوية بين الثبات والتحول
يؤكد الزعبي أن الهوية الوطنية ليست معطى ثابتًا، بل هي بناء اجتماعي تاريخي يتغير مع الزمن. ويحدد خمسة عناصر أساسية تشكل هذه الهوية: اللغة، الدين، الثقافة، الأرض، والتنظيم الاجتماعي. لكن الإشكالية تكمن في أن هذه العناصر متحركة ومتغيرة، بينما الدستور نص ثابت يحاول تثبيتها، ما يخلق توترًا دائمًا بين المجتمع الحي والنص القانوني الجامد.
مفهوم الهوية الدستورية
يطرح مفهوم “الهوية الدستورية” باعتبارها نتاجًا للتوازنات السياسية بين القوى التي تكتب الدستور، وليس انعكاسًا موضوعيًا للمجتمع. بمعنى أن الهوية التي يكرسها الدستور هي نتيجة صراع وتوافق بين الفاعلين السياسيين، وليست بالضرورة تعبيرًا دقيقًا عن التنوع الاجتماعي القائم.
المرحلة الأولى: هوية سورية مكتملة (1920 – 1950)
يرى الزعبي أن هذه المرحلة تمثل اللحظة التي ظهرت فيها سوريا كأمة مكتملة في النصوص الدستورية. في دستور 1920، كانت “الأمة السورية” مصدر السلطات، وتكررت الإشارة إلى سوريا بشكل واضح، بينما بقيت العروبة والإسلام في موقع ثانوي. واستمر هذا الاتجاه في دستور 1930، حيث حافظت الهوية السورية على مركزيتها، ما يعكس تصورًا لدولة ذات هوية وطنية مستقلة ومكتملة.
تحولات ما قبل 1950: المجتمع والسياسة
يشير الزعبي إلى أن هذه المرحلة شهدت سيطرة نخب تقليدية على الحياة السياسية، قبل أن تبدأ قوى اجتماعية وسياسية جديدة بالظهور، وهو ما مهد للتحولات التي ستظهر في دستور 1950، حيث بدأ تأثير الشارع والتيارات الأيديولوجية يتزايد.
المرحلة الثانية: التوازن الهش (دستور 1950)
يمثل دستور 1950 نقطة تحول، حيث ظهر توازن بين الهوية السورية والعروبة والإسلام. لكنه توازن غير مستقر، إذ حمل في داخله تغييرًا جوهريًا تمثل في انتقال سوريا من “أمة” إلى “جزء من أمة عربية”. كما شهدت هذه المرحلة صعود قوى مثل البعث والإخوان المسلمين، ما انعكس على حضور البعد العربي والإسلامي في النص الدستوري. ويشير الزعبي إلى أن هذه الفترة، رغم وصفها بالديمقراطية، كانت مليئة بالاضطرابات السياسية وعدم الاستقرار.
من التوازن إلى القطيعة: الوحدة مع مصر
يعتبر الزعبي أن الوحدة مع مصر عام 1958 شكلت لحظة مفصلية، حيث تم الانتقال الكامل نحو الهوية العربية، ما أدى إلى تراجع الهوية السورية كمرجعية أساسية، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من تعريف الدولة ضمن إطار قومي أوسع.
المرحلة الثالثة: هيمنة الهوية العربية (1958 – 2012)
في هذه المرحلة، التي تشمل دساتير البعث، أصبحت الهوية العربية هي المكون المركزي، بينما تراجعت الهوية السورية بشكل واضح. تحولت سوريا إلى “قطر عربي”، وأصبح تعريف الدولة والمجتمع مرتبطًا بالعروبة أولاً. ويستشهد الزعبي بدستور 1973، حيث تكررت الإشارات إلى العروبة بشكل كبير مقابل حضور محدود لسوريا، ما يعكس هذا التحول البنيوي.
انعكاسات التحول على الدولة والمجتمع
لم يكن هذا التحول مجرد تغيير لغوي، بل أثر على السياسات العامة، بما في ذلك تبرير التدخلات الإقليمية ضمن إطار قومي عربي، وتشكيل تصور مختلف للعلاقة بين الدولة والمجتمع. كما أدى إلى تهميش البعد السوري الداخلي، وإضعاف الإحساس بالهوية الوطنية المستقلة.
غياب الاعتراف بالتنوع
يشير الزعبي إلى أن الدساتير السورية، في مجملها، لم تعترف بشكل حقيقي بتنوع المجتمع السوري من حيث القوميات والأديان والثقافات، واكتفت بإشارات محدودة، ما ساهم في تجاهل حقوق الجماعات وعدم إدماجها ضمن إطار وطني جامع.
دستور 2012: محاولة جزئية للتعديل
يلاحظ أن دستور 2012 أدخل مفاهيم مثل “التنوع الثقافي” و”مكونات المجتمع”، في استجابة جزئية للتحولات التي فرضها الواقع بعد 2011، لكنه لم يغير البنية الأساسية للهوية العربية الطاغية، ما جعل هذه الإضافة محدودة الأثر.
الأثر العميق: هوية قلقة ومجتمع منقسم
يخلص الزعبي إلى أن هذا المسار الدستوري أنتج شعورًا بهوية غير مكتملة، حيث لم يعد واضحًا للسوريين تعريف انتمائهم الأساسي. هذا الغموض أدى إلى حالة من القلق المجتمعي، انعكست في ضعف الروابط الوطنية الجامعة، وظهور انقسامات حادة بين مكونات المجتمع.
من الهوية إلى الصراع
يربط الزعبي بين أزمة الهوية والانفجار الذي حدث بعد 2011، حيث تحولت التوترات الكامنة إلى صراع مفتوح بين مكونات المجتمع، في ظل غياب إطار دستوري يعترف بالتنوع ويؤسس لمواطنة متساوية.
تُظهر المحاضرة أن أزمة الهوية في سوريا ليست طارئة، بل هي نتيجة تراكمات دستورية وسياسية طويلة، حيث لم يتم التوصل إلى صيغة متوازنة تجمع بين الهوية الوطنية السورية والانتماءات الأخرى. ويؤكد أن أي مسار مستقبلي لبناء الدولة يتطلب إعادة تعريف الهوية الوطنية بشكل يعترف بالتنوع ويؤسس لعقد اجتماعي جديد قائم على المواطنة.






