ناقشت حلقة وسط البلد، العدالة والمصالحة في بانياس، والعلاقة بين تحقيق العدالة وبناء السلام، وحدود المسامحة، ومسؤولية الدولة عن كشف الحقيقة ومحاسبة مرتكبي الجرائم، إضافة إلى دور المجتمع المدني والخطاب الديني والتنمية الاقتصادية في تخفيف الاحتقان ومنع تجدد العنف.
ضيوف الحلقة
شارك في الحلقة:
- سمير حيدر، ناشط ومعتقل سياسي سابق أمضى 12 عامًا في سجون نظام الأسد.
- جولي خوري، ممثلة مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة طرطوس.
- جابر عبود، ناشط مدني وسياسي ومعتقل سابق.
- الدكتور حسن جبران، مدير إدارة المصالحة في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية.
- الشيخ حسين حجازي، خطيب في عدد من مساجد بانياس.
وشارك عدد من أهالي بانياس والناشطين في الحوار، وقدموا شهاداتهم وآراءهم بشأن المصالحة والمحاسبة ودور الدولة والمجتمع في تجاوز آثار الماضي.
بانياس بين جراح الماضي والخوف من تكراره
استعادت الحلقة ما شهدته بانياس عام 2013 في قرى وأحياء البيضا ورأس النبع والبساتين، وما عاشته المدينة مجددًا خلال أحداث آذار 2025، ولا سيما في حي القصور.
وأكد الدكتور زيدون الزعبي في مقدمة الحلقة أن دماء المدنيين لا يجوز أن تتحول إلى أرقام في خطابات الكراهية، وأن جريمة لا يمكن أن تبرر جريمة أخرى. كما شدد على أن حق جميع الضحايا في الحقيقة والعدالة وحفظ الكرامة كان حقًا غير قابل للتجزئة.
وتحدث الضيوف عن استمرار الألم لدى عائلات الضحايا والمفقودين، وعن الحاجة إلى خطوات ملموسة تكشف الحقائق، وتحاسب المسؤولين، وتعوّض المتضررين، وتضمن عدم تكرار الانتهاكات.
هل كانت المصالحة ممكنة قبل تحقيق العدالة؟
طرحت الحلقة سؤالًا أساسيًا: هل كان من الممكن الوصول إلى مصالحة حقيقية وسلم أهلي قبل تحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي الجرائم؟
رأى عدد من المشاركين أن المصالحة لم تكن تعني النسيان أو مطالبة الضحايا بالتخلي عن حقوقهم، وأن أي مصالحة لا تستند إلى كشف الحقيقة والمحاسبة كانت معرضة للتحول إلى تهدئة مؤقتة تخفي الألم بدلًا من معالجته.
وأكدت المداخلات أن المسامحة كانت قرارًا فرديًا يخص الضحية، ولا يمكن للدولة أو المجتمع فرضها عليها، بينما بقيت المحاسبة مسؤولية الدولة ومؤسسات القضاء.
العدالة مسؤولية فردية وليست عقابًا جماعيًا
ركز النقاش على ضرورة التمييز بين العدالة والانتقام. وأكد المشاركون أن المسؤولية عن الجرائم كانت فردية، وأنه لا يجوز تحميل طائفة أو منطقة أو جماعة كاملة مسؤولية أفعال ارتكبها أفراد منها.
وأوضح الدكتور زيدون الزعبي في ختام الحلقة أن العدالة لا تنظر إلى الانتماء الديني أو الطائفي أو العرقي، بل إلى ضحية لها حقوق، ومتهم يستحق محاكمة عادلة، ومجرم تثبت مسؤوليته فيحاسب وفق القانون.
كما حذّر من أن معاقبة جماعة كاملة بجريرة أفراد منها كانت تهدم الدولة وتورث الأجيال الجديدة مزيدًا من الخوف والكراهية والعنف.
شاهد أيضًا: هل تأخرت العدالة الانتقالية في سوريا، أم أن تعقيد الملف يحتاج إلى وقت أطول؟
واقع العيش المشترك في بانياس
ناقش الضيوف قدرة أهالي بانياس على تجاوز الاحتقان والعودة إلى حياة مشتركة طبيعية. ورأى سمير حيدر أن المدينة كانت تحاول الارتقاء فوق جراحها، لكنها كانت بحاجة إلى بيئة تساعدها على ذلك، في ظل استمرار الخطاب الطائفي والضغوط الاقتصادية وعدم ظهور نتائج كافية في مسار العدالة الانتقالية.
وتحدث جابر عبود عن ضرورة الانتقال من الكلام النظري إلى مبادرات حقيقية تجمع الناس، وتتيح لهم الاستماع إلى آلام بعضهم بعضًا، بدلًا من استمرار خطاب الاتهام المتبادل.
كما عرض عدد من أبناء المدينة تجارب شخصية أكدت أن العلاقات الإنسانية والجيرة استطاعتا، في لحظات صعبة، أن تتغلبا على التحريض والانقسام الطائفي.
الخطاب الديني ومواجهة التحريض الطائفي
خصصت الحلقة جانبًا من النقاش لدور الخطاب الديني في تعزيز السلم الأهلي أو زيادة الانقسام.
ورأى الشيخ حسين حجازي أن الخطاب الديني الوسطي كان قادرًا على حماية المجتمع من التحريض، مشددًا على ضرورة تجنب التعميم وعدم اتهام جميع رجال الدين بخطابات صدرت عن أفراد.
في المقابل، أشار مشاركون إلى وجود خطابات دينية وإعلامية أعادت استحضار المجازر بطريقة قد تزيد الاستقطاب، وطالبوا بقوانين واضحة تجرّم التحريض الطائفي وخطاب الكراهية، وبمواقف دينية ووطنية تؤكد أن جميع السوريين شركاء في البلد.
دور الشؤون الاجتماعية والمجتمع المدني
أوضحت جولي خوري أن جذور الانقسام كانت عميقة، وأن معالجتها احتاجت إلى عمل طويل على الأرض، ولا سيما في المناطق التي شهدت احتكاكًا مباشرًا بين المكونات الاجتماعية.
وناقشت الحلقة أهمية منح منظمات المجتمع المدني دورًا فعليًا في بناء الثقة، وفتح مساحات للحوار، والوصول إلى شخصيات مجتمعية تمثل الناس بصورة حقيقية، بدلًا من ترك المجال لأشخاص يدّعون تمثيل جماعات أو طوائف كاملة.
كما دعا المشاركون وسائل الإعلام إلى دعم مسار العدالة الانتقالية، وتسليط الضوء على القصص الإيجابية التي كسرت الانقسام، ومنها قصص أشخاص خاطروا بحياتهم لإنقاذ جيرانهم من مكونات أخرى.
البوابات الخمس لبناء السلام
عرض الدكتور حسن جبران رؤية الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية لبناء السلام، موضحًا أن السلم الأهلي كان حالة ينبغي تحويلها إلى عملية مستدامة تحتاج إلى أدوات ووقت وشركاء.
وتضمنت الرؤية خمس بوابات أساسية:
البوابة الاقتصادية
أكدت الرؤية أن الفقر والبطالة وغياب الدخل كانت عوامل تهدد الاستقرار، وأن بناء السلام كان يتطلب سياسات توفر العيش الكريم وفرص العمل وتحمي الفئات الهشة.
البوابة الثقافية
ركزت هذه البوابة على تغيير الأفكار القائمة على الانتقام والانتماءات الضيقة، وتقديم المواطنة بوصفها هوية جامعة تتقدم على الانتماءات الطائفية والمناطقية.
البوابة الاجتماعية
هدفت إلى كسر العزلة بين المكونات السورية وفتح مساحات تتيح للناس التعارف والحوار وفهم مخاوف بعضهم بعضًا.
البوابة الأمنية
شددت على أن الشعور بالأمان كان شرطًا أساسيًا لمشاركة المواطنين في بناء بلدهم، مع ضرورة وجود استجابة مشتركة بين مؤسسات الدولة والعدالة الانتقالية والمجتمع المدني عند وقوع أي توتر.
بوابة المصالحة المجتمعية
ربطت المصالحة بين العدالة والمسامحة والاعتراف بالخطأ، مع التأكيد على أن العدالة حق للضحايا، وأن العفو لا يُفرض عليهم بل يصدر عن قرار شخصي حر.
الاقتصاد والاستقرار والعدالة الانتقالية
ناقشت الحلقة أثر تراجع الأوضاع المعيشية في تعميق التوتر الاجتماعي. وتحدث المشاركون عن فصل موظفين وحرمان أسر من مصادر دخلها، وعن أوضاع عسكريين ومتقاعدين وموظفين فقدوا رواتبهم أو عجزوا عن سداد التزاماتهم.
وحذر الضيوف من أن معاقبة الفئات الأضعف اقتصاديًا بدلًا من ملاحقة المتورطين الفعليين في الجرائم كانت تزيد الشعور بالظلم وتعرقل المصالحة.
وأكدوا أن التنمية والاستثمار وتوفير فرص العمل لم تكن ملفات منفصلة عن العدالة والسلم الأهلي، بل كانت جزءًا أساسيًا من أي مشروع مستدام لبناء السلام.
دولة المواطنة أساس الاستقرار
رأى جابر عبود أن سوريا لم تكن قادرة على التقدم اقتصاديًا أو اجتماعيًا أو سياسيًا من دون بناء دولة مواطنة تستند إلى الدستور والقانون وتخضع لها جميع المكونات بالتساوي.
وطالب مشاركون بتجريم خطاب الكراهية والتحريض الطائفي، ومحاسبة كبار المسؤولين عن الجرائم بدلًا من تحميل الموظفين والعسكريين العاديين مسؤولية جماعية عن مرحلة كاملة.
المصالحة لم تكن نسيانًا
اختتم الدكتور زيدون الزعبي الحلقة بالتأكيد على أن المصالحة الحقيقية لم تكن تعني نسيان الضحايا أو إغلاق ملفات المفقودين، بل كانت تتطلب من الدولة أن تتذكر أسماءهم، وتكشف الحقيقة، وتحفظ كرامتهم، وتحاسب المسؤولين عن الجرائم، وتضمن عدم تكرارها.
كما دعا إلى تخليد قصص الأشخاص الذين أنقذوا جيرانهم وحموا أبناء مدينتهم، وإدخال هذه النماذج إلى الذاكرة العامة والتعليم والإعلام، حتى تصبح الشجاعة الفردية أساسًا لمشروع وطني يعزز الاستقرار والعيش المشترك.
وخلصت الحلقة إلى أن بانياس كانت بحاجة إلى مصالحة لا تهرب من الحقيقة، وعدالة لا تتحول إلى انتقام، وتنمية توفر الأمان وفرص العيش، ودولة تحاسب المجرم بصفته الفردية وتحمي المجتمع من العقاب الجماعي.
مشاهدة الحلقة كاملة
يمكن مشاهدة الحلقة كاملة عبر الرابط الآتي:






