مخاوف السوريين والحاجة إلى حوار وطني جامع
في سوريا اليوم حاجة ملحّة إلى بناء مساحة وسط تجمع السوريين، بعدما انقسم المجال العام بين طرفين لا يكاد أحدهما يسمع الآخر. هناك من يرى السلطة منزّهة عن الخطأ، وفي المقابل من لا يرى فيها أي جانب إيجابي. وبين هذين الطرفين تضيع إمكانية الحوار، مع أن السوريين، مهما اختلفت مواقفهم السياسية وانتماءاتهم، محكومون بالعيش معاً.
لا يعني قبول الآخر أن يتحول الجميع إلى لون سياسي واحد. من حق أي سوري أن يؤيد السلطة أو يعارضها، لكن ليس من حق المؤيد إلغاء المعارض، ولا من حق المعارض إلغاء المؤيد. المشكلة الأساسية ليست في الاختلاف، بل في تحويله إلى ذريعة للإقصاء والتخوين والكراهية.
منذ عام 2013، وبعد توقفي عن العمل السياسي وخروجي من سوريا، انصبّ جهدي على البحث عن طرق تساعد السوريين على التحدث بعضهم مع بعض. وبعد الثامن من كانون، ازدادت الحاجة إلى هذا الدور؛ فالمجتمعات التي عاشت سنوات طويلة في جغرافيات منفصلة وجدت نفسها فجأة وجهاً لوجه.
طوال السنوات الماضية، كان السوريون ينظرون بعضهم إلى بعض من وراء تصنيفات جاهزة: انفصاليون، إرهابيون، شبيحة وعملاء. وعندما زالت الحدود بين المناطق، صار الذين تبادلوا هذه الاتهامات يجلسون في المطعم والمنتدى والقاعة نفسها. لذلك تبدو المرحلة الانتقالية شديدة الصعوبة، ويصبح الحوار ضرورة لا ترفاً.
من الاستماع إلى نقل هموم الناس
لا أتعامل مع صناعة السلام بوصفها مؤسسة أملكها أو فريقاً رسمياً أقوده. هناك شبكة واسعة من الأصدقاء والأشخاص الذين تجمعني بهم رؤية مشتركة، ونتعاون كلما سنحت الفرصة. كما تساعدني جولاتي وعملي الإعلامي والاستشاري على الوصول إلى مناطق مختلفة والاستماع مباشرة إلى أهلها.
تكمن الفائدة الأولى لهذه الزيارات في الوصول إلى المعلومات من مصادرها، بعيداً عن الشائعات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي. فعندما زرت منطقة الغاب، مثلاً، استمعت إلى الأهالي بشأن قضية اعتقال أمجد يوسف. وجدت أن روايات كثيرة شاعت حول القضية لم تكن دقيقة: لم يكن معتقلاً منذ مدة ثم أُعلن اعتقاله في توقيت مختار، كما لم يكن يتجول في القرية وسط حماية أهلها. وفق ما سمعته من السكان، اعتُقل في اليوم نفسه الذي أُعلن فيه الخبر، واعتُقل معه أشقاؤه قبل أن يُطلق سراحهم بعد نحو 48 ساعة، بينما أكد الأهالي أنهم لم يكونوا يعرفونه أو يتسترون عليه.
الفائدة الثانية أنني، عندما أرصد أمراً سلبياً، أحاول نقله فوراً إلى من يستطيع التعامل معه، سواء أكان جهة حكومية أم شخصية اعتبارية أم طرفاً محلياً أو دولياً. وفي الوقت نفسه، أحاول التقاط المؤشرات الإيجابية والبناء عليها.
أما الفائدة الثالثة، التي لا تقل أهمية، فهي أن يشعر الناس بأن هناك من يزورهم ويستمع إليهم ويحمل همومهم. بعض المكونات السورية يشعر اليوم بأنه أكثر عرضة للخطر بسبب ضعف تمثيله أو شدة فقره أو عزلته.
العلويون في الغاب: فقر يتجاوز حدود المأساة
الفقر الذي شاهدته بين العلويين في منطقة الغاب ليس فقراً عادياً؛ بعض القرى معدمة فعلياً. وفي ظل أحداث الخطف والقتل والاعتداءات المتكررة، يحتاج السكان إلى ما هو أبعد من التطمينات الفردية.
صحيح أن زيادة الحواجز في المنطقة، والسلوك المهني والمتساوي الذي لمسته من عناصرها تجاه المواطنين، رفعا مستوى الاطمئنان نسبياً وساهما في تراجع حالات الخطف، لكن ذلك لا يكفي ولا يمكن أن يصنع استقراراً مستداماً.
المطلوب جهد مؤسسي من الدولة، يشمل إنشاء هيئة أو وزارة للمصالحة الوطنية، وإطلاق حوار وطني حقيقي، وتحويل المبادرات المتفرقة إلى سياسة عامة. توجد حوارات جيدة ومهمة في عدد من المناطق، لكنها لم تُؤسّس بعد ضمن إطار وطني جامع.
يمكن القول إن بعض المكونات باتت أكثر اطمئناناً مما كانت عليه سابقاً، إلا أن هذا الاطمئنان لا يزال هشاً. وقد كان الهجوم على أحياء مثل المزة 86 وعش الور أحد الأسباب التي دفعتني إلى تخصيص حلقة للعدالة الانتقالية، للتأكيد أن العدالة الانتقالية عملية معقدة وطويلة، وليست نصب مشانق أو ممارسة انتقام جماعي.
ينبغي أن تركز العدالة الانتقالية على كبار المجرمين والجرائم الكبرى والمجازر والانتهاكات الجسيمة، وأن تمتد طوال المرحلة الانتقالية. لا يجوز تحميل جماعة كاملة مسؤولية الجرائم التي ارتكبها أفراد منها.
قداسة الحياة
لست صاحب قرار في الدولة ولا جزءاً من السلطة، ولا أسعى إلى ذلك. أنا رجل يحب بلده ويؤمن بأن السلام يسمو على سواه من القيم.
ترسخ هذا الإيمان في داخلي خلال الاعتقال، عندما شاهدت بعيني وفاة ما لا يقل عن سبعين أو ثمانين شخصاً في الفرع 215. دخلت المعتقل مؤمناً بالسلمية، وخرجت أكثر تمسكاً بها، لأنني أدركت مدى بشاعة أن يموت الإنسان ظلماً.
حين اتصلت بي شبكة «CNN» بعد خروجي وسألتني عمّا تعلمته في المعتقل، كانت إجابتي: تعلمت قداسة الحياة.
لهذا أتمسك بقيمة الحياة والسلام، وبمحبتي لسوريا التي أشعر بأنها جزء من تكويني الشخصي، وأحاول أن أفعل ما أستطيع من أجلها.
لقاء الأمين العام للأمم المتحدة
خلال زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى سوريا، كنت جزءاً من وفد ضم نحو 25 أو 26 شخصية من المجتمع المدني، تمثل مؤسسات حقوقية وإنسانية ومنظمات تعمل في السلم الأهلي والمناصرة.
توليت تيسير الحوار داخل الوفد لمساعدته على إعداد رسائل منسجمة، ولذلك لم أقدم مداخلة منفصلة. تناول المشاركون هشاشة السلام في سوريا، وصعوبة العملية الانتقالية، وتحديات إعادة الإعمار، والانتهاكات المتكررة، وضرورة تمكين مؤسسات الدولة لتصبح أكثر شمولاً وتمثيلاً لجميع المكونات وأكثر شبهاً بسوريا وتنوعها.
كان الحديث عن المواطنة وحماية التنوع والسلم الأهلي من أبرز ما طُرح. كما ظهر بوضوح غضب السوريين من الاعتداءات الإسرائيلية على بلدهم. وقد بدا أن الأمين العام قدّر نضج المجتمع المدني، ثم أعاد التأكيد على عدد من هذه القضايا في لقاءات لاحقة.
صحيح أن الوفود المشاركة لم تُنتخب انتخاباً ديمقراطياً، بل اختارها مكتب المبعوث، لكن اللقاءات لم تقتصر على وفد واحد. كانت هناك وفود نسائية وشخصيات تمثل مكونات ومناطق مختلفة، بينها السويداء والعشائر والعلويون والكرد والمسيحيون وغيرهم.
في وفد المجتمع المدني الذي شاركت فيه، طُرحت الانتهاكات التي وقعت في الساحل والسويداء من منظور وطني عام، لا باسم مكون بعينه. أما في اجتماعات أخرى، فقد شارك ممثلون عن المكونات مباشرة، وأُتيحت لهم فرصة نقل مخاوفهم.
أعتقد أن هموم المكونات وصلت إلى الأمين العام، وإن كان ما تحقق خلال زيارة قصيرة من يومين لا يمكن أن يكون كافياً. جمع السوريين في حوار واحد ليس سهلاً؛ فهناك من يحمل قضية المعتقلين والمفقودين، ومن يتحدث عن المجازر والهجمات الكيميائية ومصابي الحرب والشهداء، إلى جانب هموم الطوائف والمكونات المختلفة.
دمشق فقاعة… اذهبوا إلى بقية سوريا
كنت أتمنى أن يزور الأمين العام مناطق سورية أخرى وألا تقتصر زيارته على دمشق. أكرر دائماً أمام المسؤولين والوفود الدولية: لا تبقوا في دمشق، فهي فقاعة لا تُظهر البلاد كلها.
اذهبوا لتروا الفقر في الغاب وقرى الساحل، فهي مناطق معدمة وليست فقيرة فحسب. شاهدوا المدن المدمرة في حلب وسواها، واستمعوا إلى أهل إدلب الذين يشعرون أيضاً بأن المجتمع الدولي نسيهم.
عندما زار وفد ألماني طرطوس وحمص والتقى منظمات مجتمع مدني ومجموعات من العلويين والعاملين في الساحل، كان انطباع أعضائه إيجابياً، وبدأوا التفكير في سبل التعاون. هذا النوع من التواصل المباشر ضروري؛ فلا يمكن فهم سوريا من الفنادق والمكاتب المغلقة.
الانتقادات وصعوبة الوقوف في الوسط
أتجنب قدر الإمكان قراءة التعليقات التي تتضمن شتائم شخصية أو إساءات إلى عائلتي؛ فأنا إنسان وأخشى أن أضعف أمام هذا النوع من الأذى. لكنني باقٍ متمسكاً بالدعوة إلى الحوار، ومدّ الجسور بين السوريين، وحمايتهم جميعاً.
تعرضت لانتقادات من أطراف متعارضة. يتهمني بعضهم بأنني لا أهتم إلا بالأقليات، فيما يتهمني آخرون بأنني أعمل مع الدولة. لكن صانع السلام لا يستطيع مقاطعة أي طرف؛ عليه أن يتحدث مع الجميع.
أتفهم جانباً كبيراً من غضب الناس. من تعرض للذبح والظلم سنوات طويلة قد يشعر بأن دمه أصبح أرخص من دم غيره، ومن مرّ بالمآسي من دون أن يجد من يواسيه قد يشعر بأنه متروك. لذلك يحتاج العامل في مساحة الوسط إلى فهم آلام الناس وتوقع أن يتلقى الضربات من الطرفين.
مع ذلك، أملي أن يسمعني السوريون بعقولهم وقلوبهم. لا أُضمر غير ما أقوله، ولم أدافع يوماً عن فكرة لا أؤمن بها.
لا يستطيع طرف في سوريا إلغاء الآخر. لا مكون يستطيع إلغاء مكون، ولا سلطة تستطيع إلغاء المعارضة، ولا معارضة تستطيع إلغاء السلطة. يمكننا أن نمضي مئة سنة في تبادل الإلغاء على وسائل التواصل، لكننا سنبقى نعيش في البلد نفسه، ونستخدم المؤسسات والشوارع ذاتها، ونتحدث اللغة نفسها ونسمع الموسيقى نفسها.
فلنختصر الطريق، ولنقبل أننا سنعيش معاً.
المسؤولية الكبرى تقع على الدولة
المسؤولية الكبرى عن إطلاق الحوار تقع على الطرف الأقوى، أي الدولة. وحتى الآن لا أعرف لماذا لم تُنشأ هيئة أو وزارة للمصالحة الوطنية. السلم الأهلي حاضر ضمن إطار العدالة الانتقالية، لكن المطلوب أوسع من ذلك بكثير.
بلدنا يتألم، وجرحه لم يبرأ، ولا يمكن أن يبرأ من دون حوار. لا معنى لعبارات مثل «لا حوار مع السلطة» أو «لا حوار مع سلطة الأمر الواقع في السويداء» أو «لا حوار مع هذا الطرف أو ذاك». الحوار لا يكون مع من نتفق معهم فقط.
صحيح أن التدخلات الخارجية تعرقل الحوارات وتستثمر في الانقسامات الداخلية، لكننا نحن أبناء البلد وأصحاب المصلحة الأولى في نجاته، ولا يحق لنا الاستسلام.
وصفة السلام السوري
تحتاج صناعة السلام في سوريا إلى مجموعة من العناصر الأساسية:
أولها الاعتراف. فالإنكار هو الوقود الأخطر للفتنة، وهو موجود لدى أطراف مختلفة تجاه آلام الآخرين. لا يمكن معالجة جرح يُنكر وجوده.
العنصر الثاني هو الحوار، لأنه يتيح للسوريين التعرف إلى آلام بعضهم، ويدحض الأحكام الجماعية. لا توجد طائفة مجرمة أو مكون عميل أو انفصالي أو إرهابي أو شبيح. الجرائم يرتكبها أفراد وجماعات محددة، ولا يجوز إلصاقها بمكون كامل.
العنصر الثالث هو دولة القانون. يجب إصدار القوانين وتطبيقها بحزم، ولا سيما القوانين التي تجرّم التحريض الطائفي وخطاب الكراهية. فهذه الخطابات تهدد دماء الناس واستقرار البلاد ومستقبل أبنائها، ولا يجوز التساهل معها.
العنصر الرابع هو وضع دستور دائم يحمي المواطنة وحقوق الجماعات معاً. لا تكفي حماية حقوق الفرد وحدها؛ يجب تكريس الحقوق الثقافية واللغوية للمكونات السورية، لأن التنوع جزء أصيل من هوية البلاد.
أما العنصر الخامس فهو الاقتصاد. العمل والدخل وفرص العيش مكونات أساسية للسلام. وقد سررت عندما شاهدت في الغاب ورشاً يعمل فيها الناس معاً؛ فالعمل المشترك يعيد بناء العلاقات ويساعد المجتمع تدريجياً على تجاوز أوجاعه. في المقابل، يدفع الفقر والبطالة الناس نحو اليأس والخيارات العدمية، ويغذيان الاحتقان.
ممَّ أخاف على سوريا؟
أخاف من عودة العنف، لأن سوريا بلد هش واقتصادها ضعيف. وأخاف من إسرائيل، ومن جنون بنيامين نتنياهو واحتمالات توسيع التوغل والاحتلال في الجنوب السوري. كما أخاف من الفقر، لأنه قاسٍ ويدفع الناس إلى خيارات مدمرة.
لكن أكثر ما يخيفني هو اليأس.
عندما تيأس النخب، وتنحصر ممارستها في الانكفاء أو الصمت أو الحزن والشتائم على وسائل التواصل، فما الذي يمكن أن نتوقعه من عامة الناس؟ غياب النخب عن أداء دورها الوطني خطر كبير.
مع ذلك، لست متشائماً ولا متفائلاً. أنا رجل يؤمن بالعمل؛ لا أملك وقتاً للتشاؤم أو التفاؤل، بل أعمل وأدعو الجميع إلى العمل والحوار.
الحوار، ثم الحوار، ثم الحوار إلى أن ينتهي الكون. إنه القيمة العليا التي لا يجوز التخلي عنها اليوم ولا بعد مئة سنة. وكلما تأخر الحوار الوطني المنظم، وجدت القوى الخارجية مساحة أوسع للدخول من شقوق انقساماتنا واستغلالها.
الطريق شاق، لكنه يبدأ بالاعتراف بآلام جميع السوريين، وحماية حياتهم وكرامتهم، وإقامة دولة القانون، والجلوس معاً إلى طاولة واحدة. لا خلاص لسوريا إلا بأبنائها، ولا مستقبل لها إلا بقدرتهم على العيش معاً.






