في بودكاست المنتدى، مع الإعلامية ميس محمد يتحدث الدكتور زيدون الزعبي عن تجربته الإعلامية الأولى من خلال برنامج وسط البلد، موضحاً أن هدفه الأساسي ليس المنافسة على المشاهدات، بل تقديم خطاب عقلاني يضع وحدة سوريا وحرمة الدم فوق كل اعتبار. ويشرح كيف يضع لنفسه خطوطاً حمراء واضحة، أهمها رفض التعميم والتنميط وخطاب الكراهية والتحريض ضد أي مكون أو رمز، معتبراً أن سوريا اليوم ليست في ظرف عادي يسمح بمثل هذا الخطاب، لأن أي كلمة قد تجرح جماعات كاملة وتدفع نحو مزيد من الانقسام.
كما ناقش خطورة بعض البرامج الإعلامية القائمة على الانفعال والاستقطاب وافتعال المواجهات بين الضيوف من أجل “الترند” والمشاهدات، معتبراً أن هذا النوع من الإعلام يرفع منسوب الكراهية بدل أن يفتح مساحات لقاء وحوار. ويرى أن التحدي الحقيقي اليوم هو خلق إعلام يختلف فيه السوريون من دون أن يتحول الخلاف إلى عداوة، ويؤكد أن معركته ليست مع البرامج الأخرى أو مع نسب المشاهدة، بل مع خطاب الكراهية نفسه، لأنه يعتبره العدو الأخطر الذي يهدد المجتمع السوري ومستقبل الاستقرار فيه.
ويتوسع الحوار إلى ما يسمى بـ صحافة المواطن، فيشير الزعبي إلى أنها كانت ضرورة حيوية في سنوات الثورة والحرب، لأنها أوصلت أصوات الناس حين غابت المنابر المهنية، لكنها في الوقت نفسه تحمل خطراً كبيراً عندما تُمارس من دون أخلاقيات أو وعي مهني، إذ قد يتحول نقل الوقائع أو إبداء الرأي إلى تحريض مباشر أو غير مقصود. ولهذا يدعو إلى تطوير مواثيق شرف ومدونات سلوك ومقاربات أخلاقية تضبط الأداء الإعلامي، سواء لدى المؤسسات أو لدى الأفراد على مواقع التواصل، معتبراً أن ضبط هذا الفضاء بات ضرورة مجتمعية لا تقل أهمية عن ضبط الإعلام التقليدي.
وفي الجزء الأعمق من المقابلة، يتحدث الزعبي عن الاغتيال المعنوي على السوشال ميديا، وكيف تحولت المنصات إلى ما يشبه “المسالخ” التي تفتك بسمعة الأفراد وتمنع الأصوات المتوازنة من الكلام عبر التخوين والتنمر والتشهير. ويعترف بأن هذا النوع من الهجوم يرهق كثيراً، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن من يختار الاشتغال بالشأن العام لا بد أن يتحمل كلفة ذلك، وأن الاستمرار في الدعوة إلى الحوار والاعتدال ضرورة أخلاقية ووطنية لا يجوز التخلي عنها. ويستعيد في هذا السياق تجارب شخصية سابقة، منها تعرضه لهجوم قاسٍ بسبب مواقفه من العقوبات والحوار، ليؤكد أن هذه الضغوط لم تغير قناعته الأساسية بأن الحوار هو السبيل الوحيد للنجاة.
أما في ما يخص ملف السويداء، فيؤكد الزعبي أن المحافظة تحتاج إلى وقت حتى تلتئم جراحها بعد ما جرى، وأن هذا يتطلب مبادرة ذات معنى من الحكومة السورية، لكن أيضاً وجود شريك حقيقي للحوار من داخل السويداء. ويرفض في المقابل أي رهان على إسرائيل أو أي طرح انفصالي، معتبراً أن الجغرافيا والديموغرافيا تفرضان على السويداء وحوران والجنوب عموماً أن يبقوا في إطار واحد، وأن الخلاص لا يكون عبر الانفصال أو الاحتماء بالخارج، بل عبر الحوار والتسويات الداخلية وعودة الثقة تدريجياً.
وفي ملف قسد والاندماج العسكري، يشدد الزعبي على أن بناء جيش وطني موحد ضرورة لا بد منها، لكنه يلفت إلى أن هذا المسار لا يمكن أن يتحقق بين ليلة وضحاها، لأنه يتطلب وقتاً وآليات وتدريباً نفسياً وعقيدة وطنية جديدة لا تقوم لا على البعث ولا على الإسلام السياسي ولا على الأيديولوجيات العابرة، بل على فكرة أن سوريا وطن نهائي لكل السوريين. ويرى أن الاندماج الحقيقي يتطلب صبراً، وإدارة واقعية للتوقعات، وحواراً طويل النفس بين الأطراف المختلفة.
وفي ختام الحلقة، يوجه الزعبي رسالة مباشرة إلى من يستخدمون مواقع التواصل للتحريض والشتيمة والتنمر، مؤكداً أن من يحرّض على الآخر إنما يحرّض في النهاية على نفسه، وأن كل خطاب كراهية ضد مكوّن ما سيرتد على المجتمع كله، لأن سوريا لا يمكن أن تحمي جزءاً من نفسها وتترك الجزء الآخر للانهيار. ويشدد على أن الإنقاذ يبدأ من الترفّع عن التحريض، والاعتراف بضرورة حماية كل السوريين، لا أقلية دون أكثرية ولا أكثرية دون أقلية.






