في هذه الندوة المطوّلة، يقدم الباحث في الحوكمة وقضايا الهوية الدكتور زيدون الزعبي قراءة تفصيلية لمفهوم اللامركزية في سوريا، محاولا تفكيك الالتباس الواسع الذي يحيط بالمصطلح في النقاش السوري العام، سواء لدى النخب أو لدى الجمهور. وينطلق من فكرة أساسية مفادها أن جزءا كبيرا من الجدل الدائر لا يتعلق بجوهر اللامركزية بقدر ما يتعلق بالخوف من المصطلحات نفسها، إذ جرى تحميل كلمات مثل “الفيدرالية” و”اللامركزية السياسية” معاني تتجاوز مضمونها الفعلي، وربطها تلقائيا بالتقسيم أو الانفصال، في حين أن التجارب المقارنة تظهر أن المسألة ترتبط قبل كل شيء بكيفية توزيع السلطة والموارد والتمثيل، لا بالشعار المستخدم.
المصطلحات ليست المشكلة
يرى الزعبي أن أحد أكبر الأخطاء في النقاش السوري هو الخلط بين الفيدرالية واللامركزية السياسية واللامركزية الإدارية، بل وبين مضمون كل واحد من هذه المفاهيم. ويشير إلى أن كثيرا من الدول الفيدرالية لا تستخدم أصلا هذا الوصف في نصوصها الدستورية، كما أن بعض الدول الأكثر لامركزية في العالم لا تذكر كلمة “اللامركزية” في دساتيرها. ومن هنا يدعو إلى تجاوز أسر المصطلح والذهاب مباشرة إلى الأسئلة العملية: هل نريد انتخاب المحافظ؟ هل نريد انتخاب مجلس محافظة؟ هل نريد سلطات محلية تدير الموارد والخدمات؟ هل نريد برلمانا بغرفتين؟ بالنسبة إليه، هذه هي الأسئلة الحقيقية، أما التسمية فيمكن أن تأتي لاحقا.
اللامركزية لا تعني الانفصال
يؤكد الزعبي أن اللامركزية ليست نقيضا لوحدة الدولة، بل قد تكون أحد شروط الحفاظ عليها، خصوصا في بلد مثل سوريا خرج من حرب طويلة، وتفككت فيه العلاقة بين المركز والأطراف. ويشرح أن الخطر الحقيقي لا يكمن في منح المناطق سلطات أوسع، بل في الإصرار على إعادة إنتاج مركزية شديدة بعد كل ما جرى. فالمركزية، في ظل واقع سوري ممزق ومجتمعات محلية اختبرت أشكالا من الإدارة الذاتية بحكم الضرورة، لن تؤدي في رأيه إلا إلى إعادة إنتاج التهميش والانفجار.
ما الفرق بين اللامركزية السياسية والفيدرالية؟
في الندوة، يميز الزعبي بين الفيدرالية بوصفها شكلا مركبا للدولة يقوم على شروط محددة، وبين اللامركزية السياسية بوصفها توسيعا حقيقيا للسلطات المحلية داخل دولة موحدة. ويشير إلى أن الفيدرالية تتطلب، في صورتها الكاملة، وجود برلمان بغرفتين: غرفة تمثل السكان، وأخرى تمثل المناطق أو الأقاليم، إضافة إلى توزيع دستوري واضح للصلاحيات بين المركز والأطراف بحيث لا يستطيع أي طرف سحب صلاحيات الطرف الآخر بسهولة. أما اللامركزية السياسية فقد تتحقق بدرجات متفاوتة داخل دولة غير فيدرالية، عبر انتخاب المحافظين والمجالس المحلية ومنحها صلاحيات فعلية في القرار والإنفاق والإدارة.
نماذج من العالم وتجارب للمقارنة
يستشهد الزعبي بعدد من النماذج الدولية لتوضيح فكرته. فيذكر أن ألمانيا تعد من أكثر الدول لامركزية، رغم أن دستورها لا ينص على كلمة “لامركزية”، كما يشير إلى إسبانيا وجنوب أفريقيا بوصفهما مثالين مهمين لدول خرجت من أزمات عميقة واعتمدت ترتيبات متقدمة لتوزيع السلطة. كما يلفت إلى أن التجربة العراقية شوهت، في رأيه، كثيرا من فكرة الفيدرالية في المخيال السوري، بسبب ظروف الاحتلال، وسرعة كتابة الدستور، وإقصاء مكونات أساسية من العملية السياسية. ومن هنا يصر على أن سوريا لا تحتاج إلى استنساخ نموذج جاهز، بل إلى صيغة خاصة بها تراعي تاريخها وتركيبتها ومخاوف مكوناتها.
اللامركزية في التاريخ الدستوري السوري
واحدة من النقاط المهمة في حديث الزعبي هي التذكير بأن بعض الصيغ المتقدمة للامركزية ليست غريبة عن التجربة السورية نفسها. فهو يشير إلى أن مشروع دستور 1920 كان يتضمن بنية أقرب إلى الفيدرالية، مع تمثيل للمقاطعات وصلاحيات واضحة للمركز والأطراف، كما أن دستور 1950 أتاح قدرا مهما من اللامركزية السياسية من خلال انتخاب المحافظ ومجلس المحافظة ومنح صلاحيات أوسع للمستوى المحلي. وبرأيه، فإن العودة إلى بعض عناصر هذه التجارب التاريخية قد تكون أكثر جدوى من استيراد نماذج جاهزة أو الاستسلام للمركزية التي كرستها دساتير البعث لاحقا.
مركز قوي وأطراف قوية
لا يدعو الزعبي إلى إضعاف المركز، بل إلى بناء مركز قوي ضمن دولة قوية، لكن على قاعدة احترام الأطراف ومشاركتها. ويشدد على أن وجود مركز قوي لا يعني بالضرورة احتكار القرار في دمشق، بل يعني وجود مؤسسات سيادية موحدة تدير ملفات مثل الجيش والسياسة الخارجية والنقد والثروات الكبرى، مقابل تمكين حقيقي للمناطق في إدارة شؤونها المحلية وانتخاب ممثليها وتحديد أولوياتها. هذه المعادلة، بحسب طرحه، هي التي يمكن أن تحافظ على وحدة البلاد من دون سحق تنوعها.
القضية الكردية وحقوق المكونات
يتوقف الزعبي مطولا عند المسألة الكردية، باعتبارها من أكثر القضايا ارتباطا بالجدل حول اللامركزية والفيدرالية. وهو يرى أن المشكلة لا تكمن في المصطلح فقط، بل في تاريخ طويل من سلب الحقوق الثقافية والسياسية واللغوية. ويقول بوضوح إن حماية المكون الكردي، كما غيره من المكونات، لا تتحقق بمجرد الحديث عن “الاحترام”، بل عبر الإقرار القانوني والدستوري الصريح بحقوقه، مثل اللغة والتعليم والتمثيل والهوية الثقافية. كما يلفت إلى أن تجاهل هذه الحقوق هو ما يولد النزعات الانفصالية، لا الاعتراف بها. وفي هذا السياق، يرفض أن تبقى سوريا محكومة بمنطق إنكار المكونات أو اختزال الجميع في هوية واحدة قسرية.
بين الأحلام القومية والواقع السياسي
يشدد الزعبي على ضرورة التمييز بين الحلم السياسي وبين ما يمكن بناؤه عمليا في اللحظة السورية الراهنة. فهو لا ينكر أن هناك من يحلم بوحدة عربية شاملة أو بكردستان كبرى أو بصيغ قومية أوسع، لكنه يرى أن وضع هذه الأحلام في صلب النص الدستوري أو في بنية الدولة الحالية يضر أكثر مما يفيد. وبرأيه، المطلوب اليوم هو بناء دولة سورية عادلة وقابلة للحياة، لا تحميلها مشاريع كبرى مؤجلة أو متخيلة. لذلك يرفض أن ينص الدستور على أن الشعب السوري “جزء من الأمة العربية” بوصفها صيغة تعلو على الهوية السورية، ويدعو بدلا من ذلك إلى ترسيخ هوية سورية تقوم على التنوع والحقوق والشراكة.
الثروات والموارد وإعادة التوزيع
في الشق الاقتصادي، يناقش الزعبي مسألة إدارة الثروات والموارد، وهي واحدة من القضايا الحساسة في أي نموذج لامركزي. وهو يميل إلى أن تكون الثروات الكبرى، مثل النفط والغاز والموارد الاستراتيجية، من حق المركز، على أن يعاد توزيع عوائدها بعدالة بين المناطق. لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن حرمان بعض المناطق، وخاصة الشرقية، من حصتها العادلة ومن التنمية والخدمات، هو ما ولّد شعورا عميقا بالظلم دفع قطاعات واسعة فيها إلى التمسك بخيارات أكثر راديكالية. لذلك، فالمسألة عنده ليست فقط من يملك المورد، بل كيف يدار، وكيف تعاد عائداته، وكيف يشعر السكان بأنهم شركاء لا مجرد مناطق مستخرجة للثروة.
المشكلة ليست في الدستور وحده
يؤكد الزعبي أن الأزمة السورية ليست أزمة نص دستوري فقط، بل أزمة سلطة فوق الدستور. فهو يرى أن أي حديث عن لجنة دستورية أو عن تعديل مواد هنا وهناك لا يكفي ما لم يكن جزءا من مشروع أوسع لبناء دولة دستورية حقيقية، تكون فيها السلطة خاضعة للنص والقانون، لا العكس. وبالنسبة إليه، فإن الدستور مهم، لكنه ليس كل شيء، لأن الخلل في سوريا تاريخيا كان أيضا في طريقة استخدام الدستور لتبرير احتكار السلطة، وليس فقط في بنية النصوص نفسها.
العقلية الإقصائية هي أصل المأزق
من بين الأفكار الأساسية التي تتكرر في الندوة أن المشكلة السورية ليست تقنية أو إدارية فقط، بل ثقافية وسياسية أيضا. فالعقلية الإقصائية التي حكمت البلاد لعقود، وأصرت على صهر الجميع في قالب واحد، هي التي جعلت أي حديث عن التنوع أو الحقوق أو اللامركزية يبدو تهديدا. لذلك يرى الزعبي أن أي انتقال سياسي جدي يجب أن يبدأ من الاعتراف بهذا الخلل، ومن بناء ثقافة جديدة تقبل التعدد وتراه عنصرا من عناصر القوة، لا خطرا ينبغي التخلص منه.
الخلاصة
يخلص الزعبي إلى أن سوريا تحتاج إلى نقاش جدي وعميق حول شكل الدولة، لكن هذا النقاش يجب أن يبدأ من الواقع لا من التخويف، ومن المضمون لا من الشعارات. فالبلاد، في نظره، لم تعد تحتمل عودة المركزية السابقة، كما أن الذهاب إلى أي نموذج جديد من دون تفاهم وطني وضمانات دستورية واضحة سيبقي الباب مفتوحا لمزيد من النزاع. وبين الخوف من المصطلحات والتمسك بها، يدعو إلى التركيز على ما يحتاجه السوريون فعلا: تمثيل عادل، شراكة حقيقية، اعتراف بالحقوق، توزيع متوازن للسلطات والثروات، ودولة قادرة على أن تكون جامعة لا قاهرة.






