يواجه التعليم في سوريا أزمة تتجاوز المدارس المهدمة ونقص الكتب وضعف رواتب المعلمين. فسنوات الحرب والانقسام، وما سبقها من عقود الاستبداد، تركت أنظمة تعليمية ومناهج وإدارات متعددة، ووسّعت الفجوات المعرفية بين الطلاب، وهددت بتحويل الاختلاف الجغرافي والسياسي إلى انقسام في هوية الأجيال المقبلة.
وبحسب الأرقام التي عُرضت في الحلقة، حُرم ملايين الأطفال السوريين من التعليم، فيما يواجه آخرون خطر التسرب بسبب الفقر وسوء الأوضاع المعيشية. كما تعرضت آلاف المدارس للدمار أو الضرر، واضطر بعض الأطفال إلى ترك مقاعد الدراسة للعمل أو التسول.
أمام هذا الواقع، لا يكفي أن نعيد فتح المدارس ونطبع الكتب ونجري الامتحانات؛ السؤال الأهم هو: أي مدرسة نريد، وأي إنسان نريد أن تبنيه منظومتنا التعليمية؟
الرؤية والموارد: أيهما يأتي أولاً؟
ناقشت الحلقة ما إذا كانت المشكلة الأخطر في التعليم السوري هي غياب الرؤية أم نقص الموارد. وقدمت المناظرة رأيين متكاملين رغم اختلافهما.
يرى الرأي الأول أن الموارد، مهما كانت كبيرة، قد تتحول في غياب رؤية واضحة إلى وقود للفساد والهدر داخل مؤسسات مترهلة. لذلك يجب أن نحدد أولاً ملامح الطالب الذي نريد تخريجه، والقيم والمهارات التي ينبغي أن يحملها، وكيف سنعالج الفاقد التعليمي، ومن سيشارك في وضع السياسات وتنفيذها.
أما الرأي الثاني، فيؤكد أن الرؤية لا يمكن أن تتحول إلى واقع من دون مدارس مؤهلة وكتب ووسائل تعليم وتدفئة وكهرباء، وقبل ذلك كله معلم مستقر مادياً ومهنياً. فالخطط الجيدة تبقى حبراً على ورق إذا لم تتوافر القدرة على تنفيذها.
الخلاصة أن سوريا تحتاج إلى الرؤية والموارد معاً: رؤية تحدد اتجاه الاستثمار، وموارد تتيح تحويلها إلى سياسات قابلة للتنفيذ. لا ينبغي انتظار اكتمال أحدهما للبدء بالآخر.
التعليم مشروع لبناء الهوية
لا تنحصر أزمة التعليم في الأبنية المتضررة، بل تشمل هوية المدرسة السورية ودورها. فقد عاش الأطفال خلال سنوات الانقسام ضمن مناهج وإدارات تربوية مختلفة، ما أنتج تجارب تعليمية وسرديات متباعدة.
لذلك يجب أن يكون تطوير المناهج عملية وطنية تشاركية، لا قراراً مغلقاً تصدره جهة واحدة. المطلوب إشراك المعلمين والأهالي والأكاديميين والمجتمع المدني وممثلي المناطق والمكونات، حتى يجد الجميع أنفسهم في المنهاج الجديد.
لا يعني توحيد التعليم فرض سردية واحدة أو إلغاء الخصوصيات المحلية والثقافية واللغوية. يمكن للدولة أن تضع أهدافاً ومعايير وطنية مشتركة، مع إتاحة قدر من المرونة في المواد والنصوص المستخدمة لتحقيقها. المهم أن تقود العملية إلى مخرجات مشتركة: المواطنة، والانتماء إلى سوريا، واحترام التنوع، والتفكير النقدي، والقدرة على الحوار.
وفي هذا السياق، ينبغي التعامل مع اللغة الكردية وسائر عناصر التنوع السوري بوصفها جزءاً من الهوية الوطنية، لا تهديداً لها. فاللغة والتعليم قادران على تقريب السوريين وبناء الثقة بينهم، كما يمكن أن يتحولا، إذا أسيء التعامل معهما، إلى مصدر نزاع جديد.
من التلقين إلى التفكير النقدي
المدرسة التي تحتاج إليها سوريا ليست مدرسة للحفظ والتلقين والخوف من السؤال، بل مساحة لتكوين الشخصية وتنمية الإبداع والقدرة على التحليل والمساءلة.
ينبغي ألا يكون الهدف من اثني عشر عاماً دراسياً مجرد الحصول على شهادة أو وظيفة، بل إعداد إنسان قادر على فهم مجتمعه والمشاركة فيه واتخاذ قرارات مسؤولة. ويتطلب ذلك الانتقال من التركيز على كمية المعلومات إلى مخرجات التعلم والمهارات والقيم.
كما يجب عدم التقليل من أهمية مواد مثل التاريخ والجغرافيا. فالتاريخ ساحة أساسية لفهم السرديات وبناء ذاكرة وطنية عادلة، بينما تشكل الجغرافيا أساساً للوعي الاستراتيجي بالبلاد ومواردها وحدودها وموقعها. المطلوب تطوير طريقة تدريس هذه المواد، لا تهميشها.
ربط المدرسة بالجامعة وسوق العمل
لا يمكن إصلاح التعليم العام بمعزل عن التعليم الجامعي والمهني وسوق العمل. يجب أن تبدأ المنظومة بالتعرف إلى قدرات الطلاب وميولهم، ثم تساعدهم على اختيار المسارات التي تناسبهم، بدلاً من اختزال مستقبلهم في علامة امتحان واحدة.
ويحتاج التعليم المهني إلى استعادة مكانته وربطه بحاجات الاقتصاد وخطط التنمية. كما ينبغي مراجعة آليات القبول الجامعي ونظام امتحانات الشهادات، والانتقال تدريجياً نحو تقييم أكثر عدلاً يقيس قدرات الطالب على مراحل، بدلاً من تعليق مستقبله كله على اختبار نهائي واحد.
السويداء: الأطفال يدفعون ثمن الخلاف السياسي
ناقشت الحلقة أيضاً تعذر إجراء امتحانات الشهادتين الإعدادية والثانوية في السويداء، والصعوبات المتعلقة بالوصول إلى المراكز وضمان أمن الأسئلة وشفافية الامتحانات.
لكن الخلاف السياسي والأمني لا ينبغي أن يدفع ثمنه الطلاب. المطلوب البحث عن حلول مرنة تحافظ على صدقية الشهادة السورية، من بينها إنشاء مراكز قريبة من أماكن إقامة الطلاب، أو نقل أوراق الإجابة بدلاً من نقل الطلاب، وتطوير آليات امتحانية أقل ارتباطاً بالإدارة المركزية المباشرة، مع الحفاظ على معايير وطنية موحدة.
المعلم هو نقطة البداية
أظهر استطلاع الحلقة، الذي شارك فيه نحو 9400 شخص، أن تحسين ظروف الكوادر التدريسية جاء في صدارة الأولويات، متقدماً على إعداد الطلاب لسوق العمل، وتعزيز الهوية الوطنية، وتنمية التفكير النقدي والإبداع.
هذه النتيجة مفهومة؛ فالمعلم ليس موظفاً ينتظر راتبه في نهاية الشهر، بل هو المهندس الحقيقي لمستقبل البلاد. وكل استثمار في تحسين ظروفه هو استثمار في الأمن الوطني والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي لعقود مقبلة.
ولا تقتصر المسألة على زيادة الرواتب، رغم ضرورتها، بل تشمل التأهيل المستمر، والتمكين المهني، واستعادة المكانة الاجتماعية، وإشراك المعلمين في قرارات مدارسهم وفي تطوير النظام التعليمي، وبناء نقابة ديمقراطية تمثلهم وتحمي حقوقهم.
إعادة إعمار فكرة المدرسة
تحتاج سوريا بالتأكيد إلى ترميم المدارس وبناء أخرى جديدة، لكن حاجتها الأكبر هي إعادة إعمار فكرة المدرسة نفسها: مدرسة للمواطنة والتنوع والحقوق والإبداع والتفكير النقدي، لا مدرسة للتلقين والخوف.
كل دولة تقرر، من خلال المكان الذي تضع فيه أول ليرة من موازنتها، شكل مستقبلها. إذا استثمرنا في الإسمنت أكثر من الإنسان، سنبني جدراناً لا أجيالاً. وإذا استثمرنا في الطرق أكثر من العقول، سنعبد الشوارع من دون أن نصنع طريقاً إلى مستقبل مزدهر وآمن.
أما الاستثمار في التعليم، فهو بناء حقيقي للبلاد. وقبل الأبنية والمناهج، يجب أن نبدأ برؤية وطنية واضحة تجيب عن سؤال جوهري: ما الإنسان الذي نريد أن تبنيه المدرسة السورية؟
وأول من يجب أن يشعر بأن الدولة تؤمن بالمستقبل هو المعلم، لأن مستقبل سوريا هو ما سيعلّمه هذا المعلم لأبنائنا.






