في هذه الحلقة من بودكاست «هوية»، يناقش الدكتور زيدون الزعبي مفهوم الهوية الوطنية السورية، والعلاقة بين الانتماء إلى الوطن والهويات الدينية والثقافية والمناطقية. كما يتناول ضرورة الاعتراف بآلام جميع السوريين بوصفها خطوة أساسية نحو العدالة والمصالحة وبناء دولة المواطنة.
كيف تشكّلت هوية زيدون الزعبي؟
يستعيد الدكتور زيدون الزعبي خلال الحلقة المحطات التي ساهمت في تكوين هويته، بدايةً من الأسرة وبيئة حوران، مرورًا بالدراسة في دمشق، وصولًا إلى تجربته في الهند واحتكاكه بمجتمعات وثقافات مختلفة.
وقد أسهمت الأسرة في ترسيخ مجموعة من القيم لديه، من بينها الارتباط بالأرض، والاهتمام بالقضية الفلسطينية، واحترام المرأة، والإيمان بالتعددية والمواطنة المتساوية. كما يوضح أن التمسك بالأصالة والعادات الاجتماعية لا يتعارض بالضرورة مع القيم الليبرالية أو مع المساواة بين المواطنين.
ويتوقف عند تجربته في الهند، التي أظهرت له إمكانية الجمع بين الهوية والحداثة؛ فالمجتمع يستطيع الحفاظ على خصوصيته الثقافية، وفي الوقت نفسه الانفتاح على العلم والتطور والتنوع.
الهوية الثقافية لا تتعارض مع الهوية الوطنية
يرى الدكتور زيدون الزعبي أن اعتزاز الإنسان بهويته الدينية أو الثقافية أو المناطقية لا يشكل خطرًا على الهوية الوطنية. يبدأ التعارض عندما تتحول إحدى هذه الهويات إلى أداة لإقصاء الآخرين، أو التشكيك في حقوقهم وانتمائهم إلى الوطن.
وبهذا المعنى، يمكن للسوري أن يعتز بانتمائه إلى حوران أو الساحل أو السويداء أو الجزيرة، وأن يتمسك بثقافته الدينية أو القومية، من دون أن يتناقض ذلك مع انتمائه إلى سوريا.
الهوية الوطنية الجامعة لا تلغي التنوع، بل توفر مظلة تحميه وتضمن المساواة بين مكونات المجتمع. أما محاولة فرض هوية واحدة على الجميع، فقد تؤدي إلى مزيد من الانقسام والشعور بالتهميش.
هل يمكن الحديث عن «أمة سورية»؟
يناقش الحوار ضعف تجذر مفهوم الهوية الوطنية في سوريا، وتأثير الحدود التي نشأت في المنطقة خلال المرحلة الاستعمارية. فقد ولّد الارتباط المستمر باتفاقية سايكس–بيكو شعورًا بأن الدولة السورية كيان مؤقت أو مفروض، ما أضعف الاعتزاز بالهوية الوطنية.
لكن الزعبي يؤكد أن نشأة الحدود في سياق تاريخي أو سياسي لا تمنع السوريين من بناء وطن وأمة تجمعهم. فالأمة ليست مجرد حدود جغرافية، بل شعور مشترك بالانتماء والمسؤولية والمصير.
ومن هنا تبرز أهمية مفهوم «الأمة السورية»، ليس بوصفه نفيًا للانتماء العربي أو الحضاري والإسلامي، وإنما باعتباره تعبيرًا عن وجود مجتمع سوري يمتلك حق بناء دولته وصياغة مستقبله المشترك.
المواطنة المتساوية أساس سوريا الجديدة
يضع الدكتور زيدون الزعبي المواطنة المتساوية في صميم الهوية الوطنية. فلا يمكن بناء دولة مستقرة عندما تتفاوت حقوق المواطنين بناءً على الدين أو الطائفة أو الجنس أو القومية أو المنطقة.
وتعني المواطنة، وفق هذا التصور، أن تكون مؤسسات الدولة لجميع السوريين، وألا يحتكر مكون واحد الجيش أو الإدارة أو القرار السياسي. كما تعني حماية الحقوق الفردية بالتوازي مع احترام الحقوق الثقافية للجماعات المختلفة.
ويناقش الحوار كذلك العلاقة بين التيارين المحافظ والليبرالي، مؤكدًا ضرورة تجاوز التصنيفات الحادة وفتح حوار حقيقي بين السوريين. فالهدف ليس إقصاء الدين من المجتمع أو فرض رؤية محافظة على الجميع، بل الوصول إلى صيغة تكفل الحريات وتحمي المساواة.
الاعتراف بآلام جميع السوريين
من أبرز أفكار الحلقة أن ترميم المجتمع السوري يبدأ بالاعتراف. فقد عاش السوريون عقودًا من القمع والاعتقال والتهجير والمجازر، لكن تجاربهم لم تكن متطابقة، كما اختلفت أشكال الظلم التي تعرضت لها المناطق والمكونات.
الاعتراف بألم جماعة معينة لا يعني التقليل من آلام الآخرين، كما أن الحديث عن الجرائم التي ارتُكبت في الغوطة أو إدلب أو الساحل أو السويداء أو غيرها لا ينبغي اعتباره تأجيجًا للانقسام.
إن تجاهل المظالم لا يؤدي إلى المصالحة، بل يترك الجروح مفتوحة وقابلة للاستغلال. أما الاعتراف الواضح بما حدث، فيمنح الضحايا حقهم في الذاكرة ويمهد لبناء ثقة جديدة بين السوريين.
العدالة الانتقالية وليست الانتقام
يميّز الزعبي بين العدالة التقليدية والعدالة الانتقالية. فالمجتمع الخارج من سنوات طويلة من الحرب والقمع يحتاج إلى مسار يعترف بالضحايا، ويحاسب المسؤولين عن الجرائم وفق القانون، ويمنع العقاب الجماعي والانتقام.
ولا تهدف العدالة الانتقالية إلى تبديل مواقع الظالم والمظلوم، وإنما إلى إنصاف المتضررين، وكشف الحقيقة، وحماية المجتمع من تكرار الانتهاكات. فالدولة التي تتجاهل حقوق الضحايا أو تسمح بالتصرف خارج القانون لا تستطيع تأسيس سلام دائم.
سوريا التي نحلم بها
يختتم الدكتور زيدون الزعبي الحلقة برؤية لسوريا تجمع بين ثلاثة أبعاد: عمقها الحضاري العربي والإسلامي، وتنوعها الثقافي والديني والقومي، ومواطنتها المتساوية التي تحترم حقوق جميع أبنائها.
فالهوية الوطنية لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل تتعزز عندما يشعر الإنسان بالأمان، ويحصل على حقوقه، وتُحترم ثقافته، وتتوفر له فرص عادلة في التنمية والعمل والمشاركة العامة.
إن مستقبل سوريا يحتاج إلى هوية تتسع للجميع، وإلى شجاعة أخلاقية تعترف بآلام الجميع، وإلى دولة يحكمها القانون وتضمن الكرامة والمساواة لكل مواطن.
شاهد الحلقة كاملة
لمتابعة حديث الدكتور زيدون الزعبي حول الأمة السورية، والهوية الوطنية، والمواطنة، والعدالة الانتقالية، يمكن مشاهدة الحلقة كاملة عبر الرابط التالي:






